اَلْفَصْلُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: حُدُودُ عِلْمِ الْكَلَامِ
لِعِلْمِ الْكَلَامِ مَيْدَانٌ مَعْلُومٌ، وَوَظِيفَةٌ مَحْدُودَةٌ. فَهُوَ يُقَرِّرُ أُصُولَ الْإِيمَانِ، وَيُرَتِّبُ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ، وَيَكْشِفُ الشُّبُهَاتِ. وَلَكِنَّهُ لَا يُحِيطُ بِذَاتِ اللَّهِ، وَلَا يَكْشِفُ كُنْهَ صِفَاتِهِ، وَلَا يُنْشِئُ مِنْ عِنْدِهِ تَفَاصِيلَ الْغَيْبِ. فَالْعَقْلُ يَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ، وَلَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ ذَاتِهِ وَكَيْفِيَّةَ صِفَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا كَيْفَ لَهُ.
وَالْبُرْهَانُ الْعَقْلِيُّ يَصِحُّ بِصِحَّةِ مُقَدِّمَاتِهِ وَسَلَامَةِ الِاسْتِنْتَاجِ فِيهِ. وَلِهَذَا لَا يَكْفِي جَمَالُ الْعِبَارَةِ، وَلَا هَيْبَةُ اسْمِ قَائِلِهَا، وَلَا شُهْرَةُ الْمُصْطَلَحِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ مُرَاجَعَةِ وَجْهِ الدَّلَالَةِ. وَمَا كَانَ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ ظَنِّيًّا، لَمْ تُفِدْ نَتِيجَتُهُ الْقَطْعَ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، وَقَدْ تَتَعَاضَدُ أَدِلَّةٌ ظَنِّيَّةٌ مُتَعَدِّدَةٌ فَتَرْتَقِيَ بِالنَّتِيجَةِ إِلَى قُوَّةٍ أَعْلَى. وَمَا قَامَ عَلَى تَعْرِيفٍ مُضْطَرِبٍ لَمْ يَسْلَمْ مِنَ الْخَلَلِ.
وَلَيْسَتْ مُصْطَلَحَاتُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَحْيًا، وَلَا يَتَوَقَّفُ الْحَقُّ عَلَى لَفْظٍ وَاحِدٍ. فَقَدْ يُعَبِّرُ عَالِمَانِ عَنْ مَعْنًى صَحِيحٍ بِلَفْظَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَقَدْ يَشْتَرِكُ لَفْظَانِ فِي بَعْضِ الْمَعْنَى وَيَخْتَلِفَانِ فِي بَعْضِهِ. فَالْعِبْرَةُ بِالْمَعَانِي الْمُحَقَّقَةِ، لَا بِمُجَرَّدِ الْأَسْمَاءِ.
وَعِلْمُ الْكَلَامِ لَا يَقُومُ مَقَامَ التَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْفِقْهِ، وَأُصُولِهِ، وَالسِّيرَةِ، وَالتَّزْكِيَةِ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَحَوَّلَ الدِّينُ كُلُّهُ إِلَى إِجَابَاتٍ عَنْ شُبُهَاتٍ؛ فَالْقَلْبُ يَحْيَا بِالذِّكْرِ وَالطَّاعَةِ، وَالْعَقْلُ يَسْتَقِيمُ بِالْبُرْهَانِ، وَالشَّخْصِيَّةُ الْمُؤْمِنَةُ تَكْتَمِلُ بِالْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالْأَخْلَاقِ.
وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُعْرَفُ مِنَ الشُّبُهَاتِ يَصْلُحُ لِكُلِّ طَالِبٍ. فَمِنْ حِكْمَةِ التَّعْلِيمِ أَنْ يُعْطَى الطَّالِبُ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ عَلَى قَدْرِ اسْتِعْدَادِهِ، وَأَنْ يُبْنَى فِيهِ الْيَقِينُ قَبْلَ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ دَقَائِقُ الْخِلَافِ. فَالدَّوَاءُ النَّافِعُ لِمَرِيضٍ قَدْ يَضُرُّ صَحِيحًا إِذَا أَخَذَهُ بِلَا حَاجَةٍ وَلَا إِشْرَافٍ.