اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: أَدَبُ طَالِبِ عِلْمِ الْكَلَامِ
أَوَّلُ أَدَبِ طَالِبِ هَذَا الْعِلْمِ إِخْلَاصُ النِّيَّةِ. فَيَطْلُبُهُ لِمَعْرِفَةِ رَبِّهِ، وَحِفْظِ إِيمَانِهِ، وَنَفْعِ عِبَادِ اللَّهِ، لَا لِكَيْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالذَّكَاءِ، أَوْ يَفْرَحَ بِإِسْكَاتِ خَصْمِهِ. وَيَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ رَأْيِهِ، فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ خَطَؤُهُ رَجَعَ بِلَا مُكَابَرَةٍ، فَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ عِزٌّ لَا هَزِيمَةٌ.
وَيَتَدَرَّجُ فِي الْعِلْمِ، فَيُحْكِمُ الْمُقَدِّمَاتِ قَبْلَ النَّوَادِرِ، وَيَقْرَأُ عَلَى مُعَلِّمٍ ثِقَةٍ، وَلَا يَقْتَطِعُ عِبَارَةً مِنْ سِيَاقِهَا، وَلَا يَنْسُبُ قَوْلًا إِلَى إِمَامٍ قَبْلَ التَّثَبُّتِ. وَإِذَا نَقَلَ قَوْلَ مُخَالِفٍ، نَقَلَهُ كَمَا يَرْضَاهُ صَاحِبُهُ، ثُمَّ نَقَدَهُ بِالدَّلِيلِ. فَتَشْوِيهُ قَوْلِ الْمُخَالِفِ عَجْزٌ، وَالْإِنْصَافُ قُوَّةٌ.
وَيُرَبِّي نَفْسَهُ عَلَى الصَّبْرِ وَالنِّظَامِ. فَالْمَعْرِفَةُ الرَّاسِخَةُ لَا تُؤْخَذُ فِي يَوْمٍ، وَالدَّلِيلُ الصَّحِيحُ يَحْتَاجُ إِلَى تَصَوُّرٍ دَقِيقٍ، وَمُقَدِّمَاتٍ صَحِيحَةٍ، وَرَبْطٍ مُحْكَمٍ. فَلَا يَدْفَعُهُ بُطْءُ الثَّمَرَةِ إِلَى الْمَلَلِ، وَلَا صُعُوبَةُ الْمَسْأَلَةِ إِلَى تَرْكِهَا. وَالْمُوَاظَبَةُ عَلَى الدَّرْسِ، وَحِفْظُ الْوَقْتِ، وَالْوَفَاءُ بِالْوَاجِبَاتِ مِنْ آثَارِ الْيَقِينِ، وَلَيْسَتْ أُمُورًا مُنْفَصِلَةً عَنْهُ.
وَالْبُرْهَانُ الصَّحِيحُ يَمْنَحُ صَاحِبَهُ ثَبَاتًا لَا تَهَوُّرًا، وَشَجَاعَةً لَا كِبْرًا. فَيُوَاجِهُ الشُّبْهَةَ بِعِلْمٍ، وَيُوَاجِهُ تَقَلُّبَاتِ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْعَمَلِ وَالتَّوَكُّلِ. وَلَا يَجْعَلُ قِيمَةَ نَفْسِهِ مَرْهُونَةً بِشَهَادَةٍ، أَوْ مَنْصِبٍ، أَوْ مَالٍ؛ فَهَذِهِ أَسْبَابٌ دُنْيَوِيَّةٌ يَأْخُذُ بِهَا وَيُحْسِنُ التَّخْطِيطَ لَهَا، وَلَكِنَّ الْكَرَامَةَ الْحَقِيقِيَّةَ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَالْكَفَاءَةِ وَالْأَمَانَةِ. وَمَنْ رَسَخَ فِي هَذَا الْمَعْنَى، لَمْ تَكْسِرْهُ مَخَاوِفُ الطَّرِيقِ، وَلَمْ تَسْتَعْبِدْهُ زِينَةُ الْحَيَاةِ.
وَيَحْفَظُ لِسَانَهُ عَنِ التَّكْفِيرِ وَالتَّفْسِيقِ بِلَا عِلْمٍ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الشُّبْهَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، وَالْوَسْوَسَةِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى إِعْرَاضٍ وَذِكْرٍ. وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ قَالَ: «اَللَّهُ أَعْلَمُ»، وَإِذَا نُبِّهَ إِلَى خَطَإٍ شَكَرَ مَنْ نَبَّهَهُ. وَيَجْمَعُ بَيْنَ الدَّلِيلِ وَالدُّعَاءِ، وَبَيْنَ الْفَهْمِ وَالْعَمَلِ، فَيَكُونُ عِلْمُهُ نُورًا يَهْدِيهِ، لَا حُجَّةً عَلَيْهِ.