اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَقْسَامُ الْحُكْمِ الْعَقْلِيِّ
اَلْحُكْمُ الْعَقْلِيُّ هُوَ إِثْبَاتُ أَمْرٍ لِأَمْرٍ أَوْ نَفْيُهُ عَنْهُ، مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى تَجْرِبَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ أَوْ خِطَابٍ شَرْعِيٍّ. وَأَقْسَامُهُ ثَلَاثَةٌ: الْوَاجِبُ، وَالْمُسْتَحِيلُ، وَالْجَائِزُ.
فَالْوَاجِبُ عَقْلًا هُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْعَقْلُ عَدَمَهُ، كَوُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْعَالَمَ لَا يَقُومُ مِنْ غَيْرِ خَالِقٍ. وَالْمُسْتَحِيلُ عَقْلًا هُوَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ، كَوُجُودِ شَرِيكٍ لِلَّهِ أَوْ اتِّصَافِهِ بِالْعَجْزِ. وَالْجَائِزُ عَقْلًا هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ الْعَقْلُ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ، كَخَلْقِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ إِغْنَائِهِ، أَوْ إِفْقَارِهِ.
وَلَا يَعْنِي الْجَائِزُ هُنَا أَنَّهُ حَلَالٌ شَرْعًا، بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ مُمْكِنَانِ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ. كَمَا أَنَّ الْعَادَةَ غَيْرُ الْعَقْلِ؛ فَطَيَرَانُ الْإِنْسَانِ مِنْ غَيْرِ آلَةٍ مُخَالِفٌ لِلْعَادَةِ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحِيلًا عَقْلًا. وَبِهَذَا الْمِفْتَاحِ نَفْهَمُ مَا يَجِبُ لِلَّهِ، وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَمَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ، مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالْعَادَةِ وَالشَّرْعِ.