اَلْفَصْلُ الرَّابِعُ: دَلِيلٌ قَرِيبٌ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى
نَنْظُرُ فِي أَنْفُسِنَا وَفِي الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا، فَنَرَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِ يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ: يَأْتِي بَعْدَ عَدَمٍ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَيَكْبُرُ بَعْدَ صِغَرٍ، وَيَقْوَى بَعْدَ ضَعْفٍ، ثُمَّ يَضْعُفُ وَيَفْنَى. وَنَرَى فِيهِ حَرَكَةً وَسُكُونًا، وَاجْتِمَاعًا وَافْتِرَاقًا، وَلَيْلًا وَنَهَارًا.
وَهَذِهِ الْأَحْوَالُ حَادِثَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَالٍ مِنْهَا تَكُونُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ. وَمَا لَا يَخْلُو مِنَ الْأَحْوَالِ الْحَادِثَةِ لَا يَكُونُ قَدِيمًا أَزَلِيًّا. فَالْعَالَمُ حَادِثٌ، وَكُلُّ حَادِثٍ يَفْتَقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ يُوجِدُهُ؛ إِذْ لَا يُوجِدُ الشَّيْءُ نَفْسَهُ، وَلَا يُوجَدُ مِنْ غَيْرِ مُوجِدٍ.
وَمُحْدِثُ الْعَالَمِ لَا يَكُونُ حَادِثًا مِثْلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَادِثًا لَافْتَقَرَ إِلَى مُحْدِثٍ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ تَسْتَمِرَّ سِلْسِلَةُ الْمُحْدَثَاتِ بِلَا نِهَايَةٍ؛ لِأَنَّ الْمُفْتَقِرَ لَا يُوجِدُ نَفْسَهُ، وَاجْتِمَاعُ الْمُفْتَقِرِينَ لَا يُغْنِيهِمْ عَنِ الْمُوجِدِ. فَلَا بُدَّ مِنْ مُحْدِثٍ قَدِيمٍ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ. فَثَبَتَ أَنَّ لِلْعَالَمِ خَالِقًا قَدِيمًا، قَائِمًا بِنَفْسِهِ، قَادِرًا مُرِيدًا عَالِمًا، وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَآثَارُ إِتْقَانِ الْخَلْقِ وَنِظَامِهِ تَزِيدُ الْقَلْبَ مَعْرِفَةً بِحِكْمَتِهِ وَعِنَايَتِهِ.