اَلْفَصْلُ السَّابِعُ: شَرْحُ الصِّفَاتِ الْوَاجِبَةِ
اَللَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ حَقًّا، وَوُجُودُهُ لَا يُشْبِهُ وُجُودَنَا. وَهُوَ قَدِيمٌ لَا أَوَّلَ لَهُ، بَاقٍ لَا آخِرَ لَهُ، مُخَالِفٌ لِكُلِّ حَادِثٍ، قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ وَلَا مُخَصِّصٍ وَلَا مُعِينٍ. وَهُوَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مِثْلَ لَهُ.
وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ، مُرِيدٌ يُخَصِّصُهُ بِمَا شَاءَ، عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ وُجُودِهِ وَبَعْدَهُ، حَيٌّ بِحَيَاةٍ كَامِلَةٍ لَا تُشْبِهُ حَيَاتَنَا. وَهُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ مِنْ غَيْرِ أُذُنٍ وَلَا عَيْنٍ وَلَا آلَةٍ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ أَزَلِيٍّ قَائِمٍ بِذَاتِهِ، لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلَا صَوْتٍ وَلَا لُغَةٍ، وَلَا يُشْبِهُ كَلَامَنَا.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ قَادِرًا وَمُرِيدًا وَعَالِمًا وَحَيًّا وَسَمِيعًا وَبَصِيرًا وَمُتَكَلِّمًا أَنَّ هٰذِهِ الْكَمَالَاتِ ثَابِتَةٌ لَهُ تَعَالَى. فَلَيْسَتِ الصِّفَاتُ الْمَعْنَوِيَّةُ صِفَاتٍ مُنْفَصِلَةً عَنْ صِفَاتِ الْمَعَانِي، بَلْ هِيَ عِبَارَاتٌ تُبَيِّنُ مَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ صِفَاتِ الْمَعَانِي؛ فَثُبُوتُ الْقُدْرَةِ لَهُ تَعَالَى يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ قَادِرًا، وَثُبُوتُ الْعِلْمِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا، وَهٰكَذَا. وَمَنْ فَهِمَ هٰذِهِ الصِّفَاتِ، عَرَفَ أَنَّ رَبَّهُ كَامِلٌ لَا يَعْجِزُ، وَعَلِيمٌ لَا يَغْفُلُ، وَقَرِيبٌ بِعِلْمِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَأَحْسَنَ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ وَالْحَيَاءَ مِنْهُ.