اَلْفَصْلُ الْعَاشِرُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ مُشَابَهَةِ الْخَلْقِ
اَللَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الْأَجْسَامِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْجِهَاتِ، وَالْخَالِقُ لَا يُشْبِهُ مَخْلُوقَهُ وَلَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ. فَلَيْسَ اللَّهُ جِسْمًا، وَلَا صُورَةً، وَلَا لَهُ أَعْضَاءٌ أَوْ حُدُودٌ، وَلَا يَحُلُّ فِي مَكَانٍ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ جِهَةٌ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمَانٌ. كَانَ اللَّهُ قَبْلَ خَلْقِ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَهُوَ بَعْدَ خَلْقِهِمَا مُنَزَّهٌ عَنِ الِاحْتِيَاجِ وَالتَّغَيُّرِ.
وَكُلُّ صُورَةٍ يَتَخَيَّلُهَا الْإِنْسَانُ فَاللَّهُ بِخِلَافِهَا؛ لِأَنَّ الْخَيَالَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَا لَهُ شَبَهٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، فَجَمَعَتِ الْآيَةُ بَيْنَ نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
وَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنَ النُّصُوصِ الْمُتَشَابِهَةِ نُؤْمِنُ بِهِ، وَنَقْطَعُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ الْمُرَادُ لَائِقٌ بِجَلَالِ اللَّهِ، وَلَا نَحْمِلُهُ عَلَى أَعْضَاءِ الْأَجْسَامِ وَصِفَاتِهَا. فَإِمَّا أَنْ نُفَوِّضَ عِلْمَ الْمُرَادِ التَّفْصِيلِيِّ إِلَى اللَّهِ مَعَ كَمَالِ التَّنْزِيهِ، وَإِمَّا أَنْ نَفْهَمَهُ عَلَى مَعْنًى صَحِيحٍ يَحْتَمِلُهُ لِسَانُ الْعَرَبِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، بِإِرْشَادِ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ. وَالطَّرِيقُ الْآمِنُ لِلطَّالِبِ أَنْ يُعَظِّمَ النَّصَّ، وَيُنَزِّهَ رَبَّهُ، وَلَا يَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْلَمُ.