اَلْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَرَ: الْمُعْجِزَةُ وَدَلَالَتُهَا
اَلْمُعْجِزَةُ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ، يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلَى يَدِ مَنْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ، مُوَافِقًا لِدَعْوَاهُ، مَقْرُونًا بِالتَّحَدِّي، مَعَ عَجْزِ الْمُعَارِضِينَ عَنْ مِثْلِهِ. وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ: صَدَقَ رَسُولِي، فَاتَّبِعُوهُ. وَلِذٰلِكَ لَا تَكُونُ الْمُعْجِزَةُ حِيلَةً وَلَا سِحْرًا؛ فَالسِّحْرُ لَهُ أَسْبَابٌ يَتَعَلَّمُهَا النَّاسُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَارَضَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ. وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَلٰكِنَّهُ لَا يُجْرِي الْمُعْجِزَةَ الْمُوَافِقَةَ لِدَعْوَى النُّبُوَّةِ عَلَى يَدِ كَاذِبٍ.
وَمِنْ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ: نَجَاةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ النَّارِ، وَانْفِلَاقُ الْبَحْرِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِحْيَاءُ الْمَوْتَى لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَأَعْظَمُ مُعْجِزَاتِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ؛ فَهُوَ بُرْهَانٌ بَاقٍ، جَمَعَ الْهُدَى وَالْبَيَانَ، وَعَجَزَ الْخَلْقُ عَنْ مُعَارَضَتِهِ.
وَقَدْ يُجْرِي اللَّهُ أَمْرًا خَارِقًا عَلَى يَدِ وَلِيٍّ صَالِحٍ إِكْرَامًا لَهُ، فَيُسَمَّى كَرَامَةً، وَلَا يَدَّعِي بِهَا نُبُوَّةً وَلَا يَخْرُجُ بِهَا عَنْ شَرِيعَةِ نَبِيِّهِ. وَمَا يَظْهَرُ قَبْلَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ تَمْهِيدًا لَهَا يُسَمَّى إِرْهَاصًا. فَالْمِيزَانُ هُوَ صِحَّةُ الْعَقِيدَةِ وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى الشَّرْعِ، لَا مُجَرَّدُ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ.