اَلْفَصْلُ السَّادِسُ عَشَرَ: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَكَسْبُ الْعَبْدِ
نُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ أَزَلًا، وَكَتَبَ مَا يَكُونُ، وَأَرَادَهُ، وَخَلَقَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي عَلِمَهُ. فَلَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ شَيْءٌ خَارِجٌ عَنْ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وَلَيْسَ كُلُّ مَا أَرَادَ اللَّهُ وُقُوعَهُ مَحْبُوبًا لَهُ أَوْ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ؛ فَقَدْ يَشَاءُ وُقُوعَ الْمَعْصِيَةِ فِي مُلْكِهِ لِحِكْمَةٍ، وَهُوَ يَنْهَى عَنْهَا وَلَا يَرْضَاهَا لِعَبْدِهِ.
وَالْعَبْدُ لَيْسَ مُجْبَرًا كَالْحَجَرِ، وَلَا خَالِقًا لِفِعْلِهِ مُسْتَقِلًّا عَنْ رَبِّهِ. بَلْ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ إِرَادَةً وَقُدْرَةً، فَيَقْصِدُ الْفِعْلَ وَيَخْتَارُهُ، وَيَخْلُقُهُ اللَّهُ عِنْدَ اخْتِيَارِهِ. فَخَلْقُ الْفِعْلِ لِلَّهِ، وَكَسْبُهُ لِلْعَبْدِ، وَلِذٰلِكَ تَعَلَّقَ بِفِعْلِهِ التَّكْلِيفُ، وَرَتَّبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الثَّوَابَ أَوِ الْعِقَابَ بِحَسَبِ عِلْمِهِ وَقَصْدِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ.
وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ لَا يَدْعُو إِلَى الْكَسَلِ، بَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ بَذْلِ الْأَسْبَابِ وَالتَّوَكُّلِ. فَالطَّالِبُ يَجْتَهِدُ، وَيَلْتَزِمُ نِظَامَهُ، وَيَصْبِرُ عَلَى مَشَقَّةِ التَّرْبِيَةِ، ثُمَّ يَرْضَى بِمَا يَقْضِيهِ اللَّهُ بَعْدَ بَذْلِ وُسْعِهِ. وَلَا يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، بَلْ يَتُوبُ مِنْهَا، وَلَا تَأْسِرُهُ الْمَخَاوِفُ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ؛ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ الْيَوْمَ، وَيَثِقُ بِحِكْمَةِ رَبِّهِ فِي الْغَدِ.