اَلْفَصْلُ الثَّانِي: مَعْنَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ
اَلسُّنَّةُ فِي هٰذَا الِاسْمِ هِيَ الْهَدْيُ الَّذِي جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْعِبَادَةِ وَالْأَخْلَاقِ، وَسَارَ عَلَيْهِ صَحَابَتُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَالْجَمَاعَةُ هِيَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَحَفِظَهُ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ، لَا مُجَرَّدُ كَثْرَةِ الْعَدَدِ وَلَا مُوَافَقَةُ عَادَةِ النَّاسِ.
فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ هُمُ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَمَسِّكُونَ بِالْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ، الْمُعَظِّمُونَ لِمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ، الْمُهْتَدُونَ بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ الرَّاسِخِينَ. وَهُمْ يُثْبِتُونَ أُصُولَ الْإِيمَانِ، وَيُنَزِّهُونَ اللَّهَ عَنْ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَيُصَدِّقُونَ رَسُولَهُ فِي كُلِّ مَا بَلَّغَ، وَيَجْمَعُونَ بَيْنَ تَعْظِيمِ النَّقْلِ الصَّحِيحِ وَاسْتِعْمَالِ الْعَقْلِ السَّلِيمِ.
وَقَدِ اشْتَهَرَ هٰذَا الِاسْمُ فِي تَارِيخِ الْمُسْلِمِينَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الطَّرِيقِ الْعَامِّ الَّذِي حَفِظَ أُصُولَ الْإِيمَانِ مِنَ الْغُلُوِّ وَالتَّفْرِيطِ. وَدَخَلَ فِي خِدْمَتِهِ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْعَقِيدَةِ وَالتَّزْكِيَةِ، مَعَ وُجُودِ اخْتِلَافَاتٍ عِلْمِيَّةٍ مَعْرُوفَةٍ بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَطُرُقِ التَّعْبِيرِ.
وَلَيْسَ الِانْتِسَابُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ دَعْوَى يَكْفِي فِيهَا اللَّفْظُ؛ بَلْ لَهُ أَثَرٌ فِي السُّلُوكِ. فَمِنْ عَلَامَاتِهِ صِدْقُ الِاتِّبَاعِ، وَتَعْظِيمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَمَحَبَّةُ الصَّحَابَةِ وَآلِ الْبَيْتِ، وَاحْتِرَامُ الْعُلَمَاءِ، وَتَرْكُ التَّسَرُّعِ فِي التَّبْدِيعِ وَالتَّكْفِيرِ. وَمَنْ فَهِمَ هٰذَا عَلِمَ أَنَّ هٰذَا الِاسْمَ عَهْدٌ بِالِاسْتِقَامَةِ، لَا سُلَّمٌ لِلتَّفَاخُرِ وَالِاسْتِطَالَةِ عَلَى النَّاسِ.
وَالْحِرْصُ عَلَى الْجَمَاعَةِ لَا يَعْنِي السُّكُوتَ عَنِ الْخَطَإِ، وَلٰكِنَّهُ يَعْنِي إِصْلَاحَهُ بِعِلْمٍ وَحِكْمَةٍ، مِنْ غَيْرِ تَهْوِيلٍ وَلَا تَشْهِيرٍ. وَهُوَ يَقْتَضِي الْوَفَاءَ بِحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّعَاوُنَ عَلَى الْبِرِّ، وَالرُّجُوعَ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ النَّوَازِلِ، وَتَقْدِيمَ مَصْلَحَةِ الدِّينِ عَلَى حَظِّ النَّفْسِ.
فَهُوَ اجْتِمَاعٌ يَحْرُسُ الْحَقَّ، وَحَقٌّ يَهْدِي الِاجْتِمَاعَ.