اَلْفَصْلُ الرَّابِعُ: أُصُولُ الِاعْتِقَادِ بِعِبَارَةٍ جَامِعَةٍ
يَعْتَقِدُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ، مَوْجُودٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ، بَاقٍ بِلَا انْتِهَاءٍ، غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مُفْتَقِرٌ إِلَيْهِ. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَلَا تُشْبِهُ ذَاتُهُ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا تُشْبِهُ صِفَاتُهُ صِفَاتِهِمْ، وَلَا تُشْبِهُ أَفْعَالُهُ أَفْعَالَهُمْ. لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ وَلَا زَمَانٍ، وَلَا تَلْحَقُهُ آفَةٌ وَلَا نَقْصٌ.
وَيُثْبِتُونَ لِلَّهِ مَا ثَبَتَ لَهُ مِنْ أَسْمَاءِ الْكَمَالِ وَصِفَاتِ الْجَلَالِ، عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِهِ، مَعَ قَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ ذَاتِهِ وَكَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ. وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّهُ تَعَالَى خَالِقُ الْعَالَمِ وَمُدَبِّرُهُ، وَأَنَّ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ حَكِيمٌ عَدْلٌ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا.
وَيُؤْمِنُونَ بِمَلَائِكَةِ اللَّهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَادِقُونَ أُمَنَاءُ بَلَّغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ. وَسَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَشَرِيعَتُهُ نَاسِخَةٌ لِمَا قَبْلَهَا وَبَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكُلُّ مَا صَحَّ عَنْهُ فَوَاجِبٌ تَصْدِيقُهُ وَقَبُولُهُ.
وَيُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْحَشْرِ، وَالْحِسَابِ، وَالْمِيزَانِ، وَالصِّرَاطِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ، وَسَائِرِ مَا ثَبَتَ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ. وَيُؤْمِنُونَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، مَعَ إِثْبَاتِ قَصْدِ الْعَبْدِ وَاخْتِيَارِهِ وَمَسْؤُولِيَّتِهِ عَنْ كَسْبِهِ. وَيَرْجُونَ لِلْمُحْسِنِ رَحْمَةَ اللَّهِ، وَيَخَافُونَ عَلَى الْمُسِيءِ، وَلَا يَقْطَعُونَ لِمُعَيَّنٍ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ إِلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ الْوَحْيُ.
وَهٰذِهِ الْأُصُولُ لَيْسَتْ مَعَارِفَ ذِهْنِيَّةً بَارِدَةً؛ فَمَنْ عَرَفَ أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ أَخْلَصَ فِي عَمَلِهِ، وَمَنْ آمَنَ بِالْحِسَابِ حَفِظَ حُقُوقَ النَّاسِ، وَمَنْ آمَنَ بِالْقَدَرِ أَخَذَ بِالْأَسْبَابِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا، وَمَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ هَدْيَهُ عَلَى هَوَاهُ.