اَلْفَصْلُ السَّابِعُ: كَيْفَ نَدْرُسُ الْفِرَقَ وَالْمَقَالَاتِ
ظَهَرَ فِي تَارِيخِ الْمُسْلِمِينَ اخْتِلَافٌ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ، وَتَكَوَّنَتْ فِرَقٌ لَمْ تَبْقَ كُلُّهَا عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَالْفِرْقَةُ الْوَاحِدَةُ قَدْ تَنْقَسِمُ إِلَى طَوَائِفَ، وَقَدْ تَتَغَيَّرُ بَعْضُ أَقْوَالِهَا بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. وَلِذٰلِكَ يَذْكُرُ الْعُلَمَاءُ الْمَقَالَةَ نَفْسَهَا، وَيَتَثَبَّتُونَ قَبْلَ نِسْبَتِهَا إِلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ.
فَمِنَ الْخَوَارِجِ طَوَائِفُ غَلَتْ فِي الْوَعِيدِ، وَحَكَمَ بَعْضُهَا بِالْكُفْرِ عَلَى مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، وَاسْتَحَلَّ بَعْضُهَا دِمَاءَ مُسْلِمِينَ. وَقَابَلَهُمْ فِي بَابِ الْإِيمَانِ طَوَائِفُ نُسِبَتْ إِلَى الْإِرْجَاءِ، وَلَمْ تَكُنْ أَقْوَالُهُمْ سَوَاءً؛ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرَادَ تَأْخِيرَ الْحُكْمِ عَلَى أَهْلِ الْفِتْنَةِ، وَمِنْهُمْ غُلَاةٌ جَعَلُوا الْإِيمَانَ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ أَوْ قَوْلٍ، أَوْ زَعَمُوا أَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَضُرُّ مَعَهُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْ أَصْلِ التَّصْدِيقِ، فَلَا يَعْنِي قَوْلُهُ تَهْوِينَ الْفَرَائِضِ؛ فَالْعَمَلُ وَاجِبٌ، وَهُوَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ وَعَلَامَةُ كَمَالِهِ. وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ يَحْفَظُ أَصْلَ إِسْلَامِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ مَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَاقِضٌ، مَعَ تَغْلِيظِ أَمْرِ الْمَعْصِيَةِ وَوُجُوبِ التَّوْبَةِ.
وَغَلَتِ الْقَدَرِيَّةُ الْأُوَلُ فِي نَفْيِ تَقْدِيرِ اللَّهِ لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَغَلَتِ الْجَبْرِيَّةُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ حَتَّى سَلَبَتِ الْعَبْدَ اخْتِيَارَهُ الْمُعْتَبَرَ. وَقَرَّرَ الْمُعْتَزِلَةُ أُصُولًا خَمْسَةً، وَاجْتَهَدُوا فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْإِسْلَامِ بِطَرِيقَتِهِمْ، لٰكِنَّهُمْ أَخْطَؤُوا فِي مَسَائِلَ كَنَفْيِ بَعْضِ الصِّفَاتِ، وَالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَجَعْلِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ. وَوَقَعَتْ طَوَائِفُ مِنَ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ فِي حَمْلِ بَعْضِ النُّصُوصِ عَلَى مَعَانِي الْأَجْسَامِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَصْلِ التَّنْزِيهِ.
وَدِرَاسَةُ هٰذِهِ الْمَقَالَاتِ لِحِفْظِ الْعَقِيدَةِ وَفَهْمِ التَّارِيخِ، لَا لِتَوْزِيعِ الْأَلْقَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وَافَقَ فِرْقَةً فِي عِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ مِنْهَا، وَلَا يَحْكُمُ عَلَى الْأَشْخَاصِ طَالِبٌ مُبْتَدِئٌ. وَالْعَدْلُ يَقْتَضِي أَنْ نَرُدَّ الْخَطَأَ بِالْبُرْهَانِ، وَأَلَّا نَنْسُبَ إِلَى أَحَدٍ مَا لَمْ يَقُلْهُ.
وَلَيْسَ الْإِنْصَافُ تَصْحِيحًا لِكُلِّ الْأَقْوَالِ؛ فَالْحَقُّ وَاحِدٌ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالْخَطَأُ يُبَيَّنُ وَلَا يُزَيَّنُ. وَلٰكِنَّ الْإِنْصَافَ يَمْنَعُنَا مِنَ الْكَذِبِ عَلَى الْمُخَالِفِ، وَمِنْ جَمْعِ طَوَائِفَ مُخْتَلِفَةٍ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ، وَمِنْ نَقْلِ نِزَاعٍ تَارِيخِيٍّ إِلَى أَشْخَاصٍ لَا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَقُولُونَ بِهِ.