اَلْفَصْلُ الْأَوَّلُ: مَعْنَى عِلْمِ الْكَلَامِ
عِلْمُ الْكَلَامِ عِلْمٌ يُقْتَدَرُ بِهِ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ بِالْأَدِلَّةِ، وَكَشْفِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهَا. وَمَوْضُوعُهُ أُصُولُ الْإِيمَانِ؛ كَالْكَلَامِ فِي وُجُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَصِحَّةِ النُّبُوَّةِ، وَمَا ثَبَتَ بِالْوَحْيِ مِنْ أَخْبَارِ الْآخِرَةِ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْعِلْمِ كَثْرَةَ الْخُصُومَةِ، وَلَا حُبَّ الظُّهُورِ وَالْغَلَبَةِ؛ فَإِنَّ الْجَدَلَ إِنْ خَلَا مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِنْصَافِ أَفْسَدَ الْقَلْبَ، وَحَجَبَ صَاحِبَهُ عَنِ الْحَقِّ. وَإِنَّمَا هُوَ خِدْمَةٌ لِلْعَقِيدَةِ، وَتَرْتِيبٌ لِلْحُجَّةِ، وَحِمَايَةٌ لِلذِّهْنِ مِنَ الْخَلْطِ وَالِاضْطِرَابِ.
وَمَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ يَجْمَعُ بَيْنَ الْوَحْيِ الصَّحِيحِ وَالْعَقْلِ الصَّرِيحِ. فَالْوَحْيُ يُرْشِدُ الْعَقْلَ، وَالْعَقْلُ يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَعْرِفُ صِدْقَ الرَّسُولِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ نَقْلٍ صَحِيحٍ وَعَقْلٍ سَلِيمٍ. وَإِذَا ظَهَرَ التَّعَارُضُ، فَالْخَلَلُ فِي ثُبُوتِ النَّقْلِ، أَوْ فِي فَهْمِهِ، أَوْ فِي صِحَّةِ الْمُقَدِّمَاتِ الْعَقْلِيَّةِ.
وَقَدْ سُمِّيَ هَذَا الْعِلْمُ عِلْمَ الْكَلَامِ لِأَسْبَابٍ ذَكَرَهَا الْمُؤَرِّخُونَ، وَمِنْهَا كَثْرَةُ الْبَحْثِ الْمُبَكِّرِ فِي كَلَامِ اللَّهِ. وَالْعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِالِاسْمِ، بَلْ بِحَقِيقَةِ الْعِلْمِ وَالْمَقْصِدِ مِنْهُ.
وَيَبْدَأُ الطَّالِبُ فِيهِ بِتَصْحِيحِ الْأَلْفَاظِ، ثُمَّ بِفَهْمِ الْمَعَانِي، ثُمَّ بِمَعْرِفَةِ الدَّلِيلِ وَوَجْهِ دَلَالَتِهِ. فَإِذَا رَسَخَتِ الْأُصُولُ، انْتَقَلَ إِلَى دَفْعِ الشُّبُهَاتِ عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِ، مُلْتَزِمًا الصِّدْقَ وَالتَّوَاضُعَ وَحُرْمَةَ الْعِلْمِ.