اَلْفَصْلُ الثَّانِي: مَقْصِدُ عِلْمِ الْكَلَامِ وَثَمَرَتُهُ
مَقْصِدُ عِلْمِ الْكَلَامِ أَنْ يَفْهَمَ الطَّالِبُ أُصُولَ دِينِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَأَنْ يَعْرِفَ مَرَاتِبَ الْأَدِلَّةِ، وَأَنْ يَتَمَكَّنَ مِنْ تَمْيِيزِ الْحُجَّةِ مِنَ الشُّبْهَةِ. وَلَيْسَ مَقْصِدُهُ أَنْ يَسْتَغْنِيَ الْعَبْدُ بِالْبُرْهَانِ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَلَا أَنْ يَجْعَلَ الْمَسَائِلَ النَّظَرِيَّةَ بَدَلًا مِنَ الْعِبَادَةِ وَالتَّقْوَى.
وَمِنْ ثَمَرَاتِهِ تَحْوِيلُ الْمَعْلُومَاتِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِلَى مَعْرِفَةٍ مُرَتَّبَةٍ. فَيَعْرِفُ الطَّالِبُ أَيُّ الْمَسَائِلِ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ، وَأَيُّهَا يُعْرَفُ بِالْوَحْيِ، وَأَيُّهَا يَحْتَمِلُ الِاجْتِهَادَ فِي التَّعْبِيرِ وَالتَّقْرِيرِ. وَبِهَذَا لَا يَجْعَلُ مَا هُوَ ظَنِّيٌّ فِي مَرْتَبَةِ الْقَطْعِيِّ، وَلَا يَرُدُّ خَبَرًا صَحِيحًا لِخَاطِرٍ عَابِرٍ.
وَمِنْ ثَمَرَاتِهِ أَنْ يَثْبُتَ الْقَلْبُ عِنْدَ وُرُودِ شُبْهَةٍ جَدِيدَةٍ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَنْخَدِعُ بِزُخْرُفِ اللَّفْظِ، بَلْ يَطْلُبُ صِحَّةَ الْمُقَدِّمَاتِ، وَسَلَامَةَ الِاسْتِنْتَاجِ، وَوُضُوحَ الْمُرَادِ. وَمِنْ ثَمَرَاتِهِ أَيْضًا الْقُدْرَةُ عَلَى بَيَانِ الْحَقِّ بِلُطْفٍ، وَمُخَاطَبَةِ كُلِّ إِنْسَانٍ بِمَا يُنَاسِبُ حَالَهُ وَفَهْمَهُ.
وَيَمْنَحُ الْبُرْهَانُ الصَّحِيحُ الطَّالِبَ ثَبَاتًا عِنْدَ الشُّبُهَاتِ، وَيُعَلِّمُهُ أَنْ يَبْنِيَ حُكْمَهُ عَلَى الدَّلِيلِ، لَا عَلَى الْخَوْفِ أَوِ الضَّغْطِ أَوْ شُهْرَةِ الْقَوْلِ.
وَأَعْظَمُ ثَمَرَاتِهِ أَنْ يُورِثَ الْعِلْمُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ، وَثِقَةً بِوَعْدِهِ، وَاتِّبَاعًا لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَالْعِلْمُ النَّافِعُ لَا يُحَوِّلُ الْإِيمَانَ إِلَى مَعْلُومَاتٍ بَارِدَةٍ، بَلْ يَجْعَلُ الْمَعْرِفَةَ نُورًا يَهْدِي الْفِكْرَ، وَخُشُوعًا يَمْلَأُ الْقَلْبَ، وَعَمَلًا صَالِحًا يَظْهَرُ فِي الْحَيَاةِ.