اَلْفَصْلُ الرَّابِعُ: أَلْفَاظٌ أَسَاسِيَّةٌ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ
لِكُلِّ عِلْمٍ أَلْفَاظٌ يُرِيدُ الْعُلَمَاءُ بِهَا مَعَانِيَ مَضْبُوطَةً، وَلَا يَسْتَقِيمُ الْفَهْمُ مَعَ اضْطِرَابِ الْأَلْفَاظِ. فَالتَّصَوُّرُ هُوَ إِدْرَاكُ مَعْنًى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ عَلَيْهِ بِإِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ، كَتَصَوُّرِ مَعْنَى الْحُدُوثِ. وَالتَّصْدِيقُ هُوَ إِدْرَاكُ النِّسْبَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِالْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ، كَالْحُكْمِ بِأَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ.
وَالْعِلْمُ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ بِهِ. وَالْيَقِينُ تَصْدِيقٌ جَازِمٌ، مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ، نَاشِئٌ عَنْ دَلِيلٍ أَوْ عَنْ ضَرُورَةٍ، لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ. وَلَيْسَ كُلُّ شُعُورٍ قَوِيٍّ يَقِينًا؛ فَقَدْ يَجْزِمُ الْإِنْسَانُ بِالْبَاطِلِ، فَيَكُونُ جَزْمُهُ جَهْلًا مُرَكَّبًا، لَا يَقِينًا. وَالظَّنُّ إِدْرَاكٌ لِأَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ مَعَ رُجْحَانِهِ، وَالشَّكُّ اسْتِوَاءُ الِاحْتِمَالَيْنِ، وَالْوَهْمُ إِدْرَاكُ الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ.
وَالْبَدِيهِيُّ مَا يُدْرِكُهُ الْعَقْلُ السَّلِيمُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، كَالْعِلْمِ بِأَنَّ الْكُلَّ أَكْبَرُ مِنْ جُزْئِهِ، وَأَنَّ النَّقِيضَيْنِ لَا يَجْتَمِعَانِ. وَالنَّظَرِيُّ مَا يَحْتَاجُ فِي إِدْرَاكِهِ إِلَى نَظَرٍ صَحِيحٍ. وَالنَّظَرُ تَرْتِيبُ أُمُورٍ مَعْلُومَةٍ لِلْوُصُولِ إِلَى مَجْهُولٍ مَطْلُوبٍ، كَتَرْتِيبِ مُقَدِّمَاتِ دَلِيلِ حُدُوثِ الْعَالَمِ.
وَالدَّلِيلُ مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ. وَالشُّبْهَةُ مَا يُشْبِهُ الدَّلِيلَ وَلَيْسَ دَلِيلًا؛ لِفَسَادِ مُقَدِّمَاتِهِ، أَوْ لِقَطْعِ الصِّلَةِ بَيْنَ مُقَدِّمَاتِهِ وَنَتِيجَتِهِ. وَمَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ تَحْفَظُ الطَّالِبَ مِنَ الْخَلْطِ بَيْنَ قُوَّةِ الشُّعُورِ وَصِحَّةِ الْمَعْرِفَةِ.