اَلْفَصْلُ الثَّامِنُ: دَلِيلُ الْإِمْكَانِ وَالْوُجُوبِ
يَنْقَسِمُ الْمَعْلُومُ فِي حُكْمِ الْعَقْلِ إِلَى وَاجِبٍ، وَمُسْتَحِيلٍ، وَمُمْكِنٍ. وَالْمُمْكِنُ لَا يَقْتَضِي ذَاتُهُ وُجُودَهُ، وَلَا تَقْتَضِي عَدَمَهُ؛ فَإِنْ وُجِدَ افْتَقَرَ وُجُودُهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَإِنْ عُدِمَ لَمْ يَكُنْ فِي عَدَمِهِ تَنَاقُضٌ. وَالْوَاجِبُ بِذَاتِهِ لَا يَفْتَقِرُ فِي وُجُودِهِ إِلَى مُوجِدٍ، وَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْعَدَمُ.
وَالْعَالَمُ مُمْكِنٌ؛ لِأَنَّ ذَاتَ الْمَخْلُوقِ لَا تَقْتَضِي وُجُودَهُ، وَيَصِحُّ فِي الْعَقْلِ أَنْ يُفْرَضَ عَدَمُهُ مِنْ غَيْرِ تَنَاقُضٍ. وَلَوْ لَمْ تُوجَدِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ، لَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ نَقِيضَيْنِ، وَلَا قَلْبُ حَقِيقَةٍ. وَكَذَلِكَ كَانَ مُمْكِنًا أَنْ تُوجَدَ أَشْيَاءُ الْعَالَمِ عَلَى مَقَادِيرَ وَصِفَاتٍ أُخْرَى. فَوُجُودُهَا وَصِفَاتُهَا وَأَوْقَاتُهَا كُلُّهَا مِنَ الْأُمُورِ الْمُمْكِنَةِ.
وَكُلُّ مُمْكِنٍ مَوْجُودٍ يَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُعْطِيهِ الْوُجُودَ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يُخْرِجُ نَفْسَهُ مِنَ الْعَدَمِ، وَلَا يَكُونُ مُوجِدًا لِنَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُوجِدُهُ مُمْكِنًا مُحْتَاجًا، وَمُوجِدُ ذَلِكَ الْمُوجِدِ مُمْكِنٌ كَذَلِكَ، إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ؛ فَإِنَّ الْمُمْكِنَاتِ كُلَّهَا لَا تَمْلِكُ الْوُجُودَ مِنْ ذَوَاتِهَا.
فَيَلْزَمُ أَنْ تَنْتَهِيَ الْمُمْكِنَاتُ فِي افْتِقَارِهَا إِلَى وَاجِبِ الْوُجُودِ، الْغَنِيِّ بِذَاتِهِ، الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَفْتَقِرُ كُلُّ مَا سِوَاهُ إِلَيْهِ. وَلَيْسَ وُجُوبُ وُجُودِهِ حُكْمًا يَفْرِضُهُ عَلَيْهِ فَارِضٌ، بَلْ مَعْنَاهُ اسْتِحَالَةُ عَدَمِهِ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ. وَذَلِكَ الْوَاجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى.