اَلْفَصْلُ التَّاسِعُ: التَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ
عَرَفْنَا أَنَّ الْمُمْكِنَ يَقْبَلُ الْوُجُودَ وَالْعَدَمَ، وَيَقْبَلُ فِي حَالِ وُجُودِهِ صِفَاتٍ وَمَقَادِيرَ مُخْتَلِفَةً. وَالْمَقْصُودُ فِي هَذَا الْفَصْلِ بَيَانُ دَلَالَةِ التَّخْصِيصِ عَلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ، لَا إِعَادَةُ دَلِيلِ الْإِمْكَانِ. فَالتَّرْجِيحُ تَعْيِينُ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ دُونَ الْآخَرِ، وَالْمُرَجِّحُ مَا بِهِ وَقَعَ ذَلِكَ التَّعْيِينُ.
وَالْعَالَمُ لَمْ يُوجَدْ فَقَطْ، بَلْ وُجِدَ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَعَلَى نِظَامٍ مُعَيَّنٍ، وَبِمَقَادِيرَ مُعَيَّنَةٍ. فَالشَّمْسُ لَهَا مِقْدَارٌ وَمَكَانٌ وَحَرَكَةٌ، وَالْإِنْسَانُ لَهُ طُولٌ وَلَوْنٌ وَأَجَلٌ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَانَ مُمْكِنًا فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ. فَتَعَيُّنُ وَجْهٍ وَاحِدٍ مِنْ بَيْنِ وُجُوهٍ مُمْكِنَةٍ يَكْشِفُ عَنْ مُخَصِّصٍ.
وَلَوْ قِيلَ إِنَّ الْمُمْكِنَ خَصَّ نَفْسَهُ، لَكَانَ مُرِيدًا قَبْلَ وُجُودِهِ، وَهَذَا مُحَالٌ. وَلَوْ قِيلَ إِنَّ أَحَدَ الطَّرَفَيْنِ تَرَجَّحَ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ، لَكَانَ تَعْيِينُ الْوَقْتِ وَالْمِقْدَارِ وَالصِّفَةِ بِلَا سَبَبٍ يُفَسِّرُ التَّعْيِينَ، وَهُوَ مَعْنَى التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ. وَلَيْسَ وَصْفُ كَيْفِيَّةِ انْتِظَامِ الْحَوَادِثِ وَفْقَ الْقَوَانِينِ الْكَوْنِيَّةِ بَيَانًا لِمَنْ أَوْجَدَ تِلْكَ الْقَوَانِينَ وَخَصَّهَا بِمَقَادِيرِهَا.
فَدَلَّ التَّخْصِيصُ عَلَى إِرَادَةٍ قَدِيمَةٍ تَخُصُّ الْمُمْكِنَ بِبَعْضِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَعَلَى عِلْمٍ مُحِيطٍ بِمَا خُصِّصَ وَمَا لَمْ يُخَصَّصْ، وَعَلَى قُدْرَةٍ أَبْرَزَتِ الْمُرَادَ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ. فَالْمُرَجِّحُ لَيْسَ قُوَّةً عَمْيَاءَ، بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَلِيمُ الْمُرِيدُ الْقَدِيرُ.