اَلْفَصْلُ الْعَاشِرُ: الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ وَالْعَرَضُ
اِسْتَعْمَلَ كَثِيرٌ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ مُصْطَلَحَ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ وَالْعَرَضِ فِي تَقْرِيرِ دَلِيلِ الْحُدُوثِ. وَهَذَا اصْطِلَاحٌ عِلْمِيٌّ يُفْهَمُ فِي سِيَاقِهِ، وَلَا يُجْعَلُ لَفْظُهُ جُزْءًا مِنْ نَصِّ الْعَقِيدَةِ. فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَقْرِيبُ وَجْهِ الدَّلِيلِ، لَا تَكْلِيفُ الطَّالِبِ بِدَقَائِقِ عِلْمِ الطَّبِيعَةِ.
اَلْجَوْهَرُ الْفَرْدُ عِنْدَهُمْ أَصْغَرُ جُزْءٍ مُتَحَيِّزٍ لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ فِي الْوُجُودِ، وَيَشْغَلُ حَيِّزًا بِنَفْسِهِ. وَالْجِسْمُ مُؤَلَّفٌ مِنْ جَوَاهِرَ مُجْتَمِعَةٍ. وَالْعَرَضُ مَوْجُودٌ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَحْتَاجُ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ؛ كَاللَّوْنِ، وَالْحَرَكَةِ، وَالسُّكُونِ، وَالِاجْتِمَاعِ، وَالِافْتِرَاقِ. فَالْبَيَاضُ مَثَلًا لَا يُوجَدُ مُسْتَقِلًّا، بَلْ يُوجَدُ فِي جِسْمٍ أَبْيَضَ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْجَوَاهِرَ لَا تَخْلُو مِنَ الْأَعْرَاضِ؛ فَهِيَ إِمَّا مُجْتَمِعَةٌ أَوْ مُفْتَرِقَةٌ، مُتَحَرِّكَةٌ أَوْ سَاكِنَةٌ، ذَاتُ لَوْنٍ أَوْ فَاقِدَةٌ لَهُ. وَهَذِهِ الْأَعْرَاضُ حَادِثَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَتَعَاقَبُ، وَيَزُولُ بَعْضُهَا بِطُرُوءِ ضِدِّهِ، وَمَا يَقْبَلُ الْوُجُودَ بَعْدَ الْعَدَمِ لَيْسَ قَدِيمًا. وَعِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ لَا يَبْقَى الْعَرَضُ زَمَانَيْنِ، بَلِ اللَّهُ يَخْلُقُ الْأَمْثَالَ مُتَتَالِيَةً، فَيَظُنُّ النَّاظِرُ الْبَقَاءَ.
فَإِذَا كَانَ الْجَوْهَرُ لَا يَخْلُو عَنْ عَرَضٍ حَادِثٍ، وَلَا يَتَقَدَّمُهُ فِي الْوُجُودِ، ثَبَتَ حُدُوثُهُ، وَبِحُدُوثِ الْأَجْزَاءِ يَثْبُتُ حُدُوثُ الْجِسْمِ الْمُؤَلَّفِ مِنْهَا. وَلَا يَتَوَقَّفُ أَصْلُ الْإِيمَانِ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ بِعَيْنِهِ، وَلَكِنَّهُ نَمُوذَجٌ مِنْ تَرْتِيبِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلدَّلِيلِ.