اَلْفَصْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ: دَلِيلُ الْوَحْدَانِيَّةِ
اَلْوَحْدَانِيَّةُ انْفِرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، مِنْ غَيْرِ شَرِيكٍ وَلَا مَثِيلٍ. فَوَحْدَةُ الذَّاتِ تَنْفِي التَّعَدُّدَ وَالتَّرْكِيبَ، وَوَحْدَةُ الصِّفَاتِ تَنْفِي أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ صِفَةٌ تُمَاثِلُ صِفَتَهُ، وَوَحْدَةُ الْأَفْعَالِ تَنْفِي أَنْ يَكُونَ فِي الْوُجُودِ خَالِقٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ.
وَمِنْ أَشْهَرِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ بُرْهَانُ التَّمَانُعِ. وَتَقْرِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ وُجُودُ إِلَهَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ، لَكَانَ اخْتِلَافُ الْإِرَادَتَيْنِ مُمْكِنًا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفْرَضُ فِيهِ كَمَالُ الِاسْتِقْلَالِ وَالْإِرَادَةِ. فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا حَرَكَةَ جِسْمٍ، وَأَرَادَ الْآخَرُ سُكُونَهُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، لَمْ يَخْلُ الْأَمْرُ مِنْ ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ.
إِمَّا أَنْ يَقَعَ الْمُرَادَانِ مَعًا، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ؛ لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَزَمَنٍ وَاحِدٍ. وَإِمَّا أَنْ لَا يَقَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَيَثْبُتُ عَجْزُهُمَا. وَإِمَّا أَنْ يَقَعَ مُرَادُ أَحَدِهِمَا دُونَ مُرَادِ الْآخَرِ، فَالَّذِي لَمْ يَقَعْ مُرَادُهُ عَاجِزٌ، وَالْعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَهًا. فَثَبَتَ أَنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ وَاحِدٌ.
وَلَا يُقَالُ إِنَّهُمَا يَتَّفِقَانِ دَائِمًا بِضَرُورَةٍ تَمْنَعُ الِاخْتِلَافَ؛ فَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَمْنُوعًا مِنَ الْمُخَالَفَةِ، لَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا مُطْلَقَ الْقُدْرَةِ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا تَابِعًا لِلْآخَرِ، فَالتَّابِعُ مُحْتَاجٌ، وَالْمُحْتَاجُ لَيْسَ إِلَهًا. وَيَشْهَدُ نِظَامُ الْعَالَمِ الْوَاحِدُ لِمُدَبِّرٍ وَاحِدٍ، تَفَرَّدَ بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَهُوَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ.