اَلْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ: تَعَلُّقَاتُ الصِّفَاتِ
اَلتَّعَلُّقُ طَلَبُ الصِّفَةِ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى قِيَامِهَا بِالذَّاتِ، كَطَلَبِ الْعِلْمِ مَعْلُومًا، وَطَلَبِ الْقُدْرَةِ مَقْدُورًا. وَلَيْسَ مَعْنَى التَّعَلُّقِ أَنَّ صِفَةَ اللَّهِ تَحْتَاجُ إِلَى الْمَخْلُوقِ، أَوْ أَنَّ حَادِثًا يَقُومُ بِذَاتِهِ تَعَالَى؛ فَالصِّفَةُ قَدِيمَةٌ، وَالْمُتَعَلَّقُ قَدْ يَكُونُ حَادِثًا.
وَالْحَيَاةُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا؛ لِأَنَّ حَقِيقَتَهَا لَا تَطْلُبُ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى قِيَامِهَا بِالذَّاتِ، وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْمَعَانِي الْأُخْرَى. وَالْعِلْمُ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ الْوَاجِبَاتِ، وَالْمُسْتَحِيلَاتِ، وَالْجَائِزَاتِ، عَلَى مَا هِيَ بِهِ، مِنْ غَيْرِ سَبْقِ جَهْلٍ وَلَا طُرُوءِ مَعْلُومٍ جَدِيدٍ.
وَالْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنَاتِ إِيجَادًا وَإِعْدَامًا، وَالْإِرَادَةُ تَتَعَلَّقُ بِهَا تَخْصِيصًا. فَالْإِرَادَةُ تُخَصِّصُ الْمُمْكِنَ بِوُجُودٍ أَوْ عَدَمٍ، وَبِوَقْتٍ وَمَكَانٍ وَمِقْدَارٍ مِمَّا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَالْقُدْرَةُ تُبْرِزُ الْمُرَادَ إِلَى الْوُجُودِ، أَوْ تُعْدِمُهُ بِالْإِرَادَةِ. وَلَا تَتَعَلَّقُ الْقُدْرَةُ وَالْإِرَادَةُ بِالْوَاجِبِ وَلَا بِالْمُسْتَحِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ وَالْمُسْتَحِيلَ لَيْسَا مَحَلًّا لِلْإِيجَادِ وَالْإِعْدَامِ وَالتَّخْصِيصِ.
وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ يَتَعَلَّقَانِ بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ، عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِاللَّهِ، مِنْ غَيْرِ آلَةٍ وَلَا أَشِعَّةٍ وَلَا مُقَابَلَةٍ. وَيَخْتَلِفُ انْكِشَافُ السَّمْعِ عَنِ انْكِشَافِ الْبَصَرِ، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ الْعِلْمِ. وَالْكَلَامُ يَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْعِلْمُ تَعَلُّقَ دَلَالَةٍ؛ فَيَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَيْسَ تَعَلُّقُهُ تَعَلُّقَ إِيجَادٍ وَتَأْثِيرٍ. وَبِهَذَا الضَّبْطِ تَزُولُ الْعِبَارَاتُ الْمُوهِمَةُ.