اَلْفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ: الْقَطْعِيُّ وَالظَّنِّيُّ
اَلدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ مَا أَفَادَ الْيَقِينَ، وَالدَّلِيلُ الظَّنِّيُّ مَا أَفَادَ رُجْحَانًا مُعْتَبَرًا مَعَ بَقَاءِ احْتِمَالٍ مَرْجُوحٍ. وَلَيْسَ الظَّنُّ الْمُعْتَبَرُ وَهْمًا وَلَا تَخْمِينًا؛ فَقَدْ يَكُونُ حُجَّةً يَجِبُ الْعَمَلُ بِهَا فِي مَوْضِعِهَا، وَلَكِنْ لَا يُرْفَعُ إِلَى مَرْتَبَةِ مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ.
وَفِي النُّصُوصِ يَنْبَغِي التَّفْرِيقُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ. فَالثُّبُوتُ يَبْحَثُ عَنْ طَرِيقِ وُصُولِ النَّصِّ إِلَيْنَا، وَالدَّلَالَةُ تَبْحَثُ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّصُّ. وَمَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ فَهُوَ قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ، كَآيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ. وَخَبَرُ الْآحَادِ الصَّحِيحُ ظَنِّيُّ الثُّبُوتِ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ تَحْتَفُّ بِهِ قَرَائِنُ تَرْفَعُ قُوَّتَهُ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَالنَّصُّ يَكُونُ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ إِذَا لَمْ يَحْتَمِلْ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا مُعَيَّنًا، أَوْ كَانَ احْتِمَالُ غَيْرِهِ سَاقِطًا بِدَلِيلٍ قَاطِعٍ. وَيَكُونُ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ إِذَا احْتَمَلَ مَعَانِيَ مُتَعَدِّدَةً، وَرَجَحَ بَعْضُهَا بِقَرِينَةٍ. فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» قَطْعِيُّ الثُّبُوتِ، قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ فِي نَفْيِ مُمَاثَلَةِ اللَّهِ لِلْحَوَادِثِ.
وَقَدْ يَكُونُ النَّصُّ قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ظَنِّيَّ الثُّبُوتِ قَطْعِيَّ الدَّلَالَةِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْقَطْعُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ، أَوِ الظَّنُّ مِنْهُمَا. وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ لَا يَجْعَلُ الطَّالِبُ كُلَّ خِلَافٍ خِلَافًا فِي الْقَوَاطِعِ، وَلَا يُسَوِّي بَيْنَ الْيَقِينِ وَالِاجْتِهَادِ.