اَلْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ: الْمُتَشَابِهَاتُ وَحُدُودُ التَّفْوِيضِ وَالتَّأْوِيلِ
فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ نُصُوصٌ مُحْكَمَةٌ وَاضِحَةُ الدَّلَالَةِ، وَنُصُوصٌ مُتَشَابِهَةٌ قَدْ يَخْفَى مُرَادُهَا، أَوْ تَحْتَمِلُ أَوْجُهًا فِي اللُّغَةِ. وَالْمُحْكَمُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي يُرَدُّ إِلَيْهِ الْمُتَشَابِهُ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»، وَقَوْلُهُ: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»، أَصْلَانِ قَاطِعَانِ فِي نَفْيِ مُمَاثَلَةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ.
وَعِنْدَ وُرُودِ لَفْظٍ قَدْ يُوهِمُ ظَاهِرُهُ مَعْنًى جِسْمِيًّا، يَجْزِمُ أَهْلُ السُّنَّةِ بِثُبُوتِ النَّصِّ إِنْ صَحَّ، وَيَجْزِمُونَ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْجِسْمِ وَالْحَدِّ وَالْجَارِحَةِ وَالْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ. ثُمَّ لِعُلَمَائِهِمْ مَسْلَكَانِ مُعْتَبَرَانِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ مَعْنَاهُ: اَلتَّفْوِيضُ الْمُنَزَّهُ، وَالتَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ.
فَالتَّفْوِيضُ أَنْ يُقَرَّ النَّصُّ كَمَا وَرَدَ، مَعَ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى الْجِسْمِيِّ الْمُحَالِ، وَتَفْوِيضِ تَعْيِينِ الْمُرَادِ الْلَائِقِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَلَيْسَ هُوَ تَفْوِيضًا فِي أَصْلِ التَّنْزِيهِ، وَلَا إِيمَانًا بِلَفْظٍ فَارِغٍ مِنْ كُلِّ مَعْنًى؛ بَلْ هُوَ إِيمَانٌ بِمَعْنًى حَقٍّ لَائِقٍ بِاللَّهِ، مَعَ الْإِمْسَاكِ عَنْ تَعْيِينِهِ بِلَا دَلِيلٍ.
وَالتَّأْوِيلُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى يَحْتَمِلُهُ لِسَانُ الْعَرَبِ، وَيَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ دَلِيلٌ أَوْ قَرِينَةٌ. وَلَيْسَ كُلُّ مَعْنًى لُغَوِيٍّ تَأْوِيلًا صَحِيحًا، وَلَا يَجُوزُ التَّأْوِيلُ بِمُجَرَّدِ الْهَوَى، أَوْ بِمَا يُبْطِلُ حُكْمَ النَّصِّ. وَالْحَاجَةُ إِلَى التَّأْوِيلِ تَقْوَى إِذَا شَاعَ التَّشْبِيهُ، أَوْ كَانَ فِي تَعْيِينِ الْمَعْنَى دَفْعٌ لِشُبْهَةٍ.
وَالْخِلَافُ بَيْنَ التَّفْوِيضِ وَالتَّأْوِيلِ لَا يُنْسِي الْأَصْلَ الْمُشْتَرَكَ: تَعْظِيمَ النَّصِّ، وَالْجَزْمَ بِالتَّنْزِيهِ، وَتَرْكَ التَّجَرُّؤِ عَلَى اللَّهِ. وَلَيْسَ لِلطَّالِبِ الْمُبْتَدِئِ أَنْ يَخْتَرِعَ تَأْوِيلًا مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ أَنْ يَجْعَلَ الْمُتَشَابِهَ مَيْدَانًا لِلْخُصُومَةِ. وَالتَّوَقُّفُ عِنْدَ حَدِّ الْعِلْمِ عِلْمٌ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْمُحَقِّقِينَ أَدَبٌ.