اَلْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ: السَّمْعِيَّاتُ وَحُدُودُ الْعَقْلِ فِيهَا
اَلسَّمْعِيَّاتُ أُمُورٌ لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِمَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِهَا، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ بِإِخْبَارِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَمِنْهَا سُؤَالُ الْقَبْرِ وَنَعِيمُهُ وَعَذَابُهُ، وَالْبَعْثُ، وَالْحَشْرُ، وَالْحِسَابُ، وَالْمِيزَانُ، وَالصِّرَاطُ، وَالشَّفَاعَةُ، وَالْجَنَّةُ، وَالنَّارُ، وَسَائِرُ مَا صَحَّ بِهِ النَّقْلُ مِنْ أَحْوَالِ الْآخِرَةِ.
وَلِلْعَقْلِ فِي هَذَا الْبَابِ وَظِيفَةٌ دَقِيقَةٌ. فَهُوَ يُثْبِتُ إِمْكَانَ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَيَدْفَعُ عَنْهَا دَعْوَى الِاسْتِحَالَةِ. فَإِعَادَةُ الْمَوْتَى مُمْكِنَةٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي أَنْشَأَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ، وَلَيْسَ فِي رَدِّ الْأَجْزَاءِ وَإِعَادَةِ الْحَيَاةِ تَنَاقُضٌ عَقْلِيٌّ. وَبَعْدَ أَنْ يَثْبُتَ صِدْقُ الرَّسُولِ بِالْمُعْجِزَةِ، يَكُونُ خَبَرُهُ الثَّابِتُ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِهَا وَالتَّصْدِيقِ بِهَا، عَلَى حَسَبِ دَرَجَةِ ثُبُوتِ الْخَبَرِ وَدَلَالَتِهِ.
وَلَيْسَ لِلْعَقْلِ أَنْ يُنْشِئَ مِنْ عِنْدِهِ عَدَدَ الْمَوَاقِفِ فِي الْحِسَابِ، أَوْ كَيْفِيَّةَ الْمِيزَانِ، أَوْ حَقِيقَةَ نَعِيمِ الْجَنَّةِ. فَهَذِهِ تَفَاصِيلُ غَيْبِيَّةٌ، يُوقَفُ فِيهَا عِنْدَ النَّصِّ الثَّابِتِ. وَلَا يُرَدُّ الْخَبَرُ لِأَنَّ الْخَيَالَ لَمْ يَأْلَفْهُ، وَلَا يُزَادُ فِيهِ بِحِكَايَاتٍ لَا أَصْلَ لَهَا. وَمَا وَرَدَ بِنَصٍّ مُحْتَمِلٍ يُفْهَمُ فِي ضَوْءِ الْمُحْكَمَاتِ، وَلَا يُجْزَمُ فِيهِ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ النَّصُّ.
وَالْإِيمَانُ بِالسَّمْعِيَّاتِ لَيْسَ إِلْغَاءً لِلْعَقْلِ، بَلْ وَضْعٌ لَهُ فِي مَوْضِعِهِ. فَالْعَقْلُ يَدُلُّ عَلَى إِمْكَانِ الْبَعْثِ، وَالْوَحْيُ يُخْبِرُ بِوُقُوعِهِ وَتَفَاصِيلِهِ. وَمَنْ عَرَفَ حَدَّ عَقْلِهِ، لَمْ يَزْدَدْ جَهْلًا، بَلْ ازْدَادَ بَصِيرَةً وَتَوَاضُعًا لِلْحَقِّ.