اَلْفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الْقَدَرُ وَكَسْبُ الْعَبْدِ
اَلْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ أَنْ يَعْتَقِدَ الْمُسْلِمُ أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ مَعْلُومٌ لِلَّهِ بِعِلْمِهِ الْقَدِيمِ، وَوَاقِعٌ بِإِرَادَتِهِ، وَمَخْلُوقٌ بِقُدْرَتِهِ. فَلَا يَحْدُثُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَعْلَمُهُ، وَلَا يَقَعُ مَا لَا يُرِيدُهُ، وَلَا خَالِقَ لِشَيْءٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ. وَعِلْمُ اللَّهِ بِالْفِعْلِ لَا يُجْبِرُ الْعَبْدَ عَلَيْهِ؛ فَالْعِلْمُ يَكْشِفُ الْمَعْلُومَ كَمَا هُوَ، وَلَا يَسُوقُ الْمُخْتَارَ كَرْهًا.
وَلِلْعَبْدِ إِرَادَةٌ حَادِثَةٌ، وَقُدْرَةٌ حَادِثَةٌ، وَبِهِمَا يَتَوَجَّهُ إِلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، وَيُنْسَبُ الْفِعْلُ إِلَيْهِ نِسْبَةَ كَسْبٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ، لَا نِسْبَةَ خَلْقٍ وَاسْتِقْلَالٍ. فَالْكَسْبُ هُوَ اقْتِرَانُ الْفِعْلِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ الْحَادِثَةِ وَإِرَادَتِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ قُدْرَةُ الْعَبْدِ خَالِقَةً لِلْفِعْلِ أَوْ مُؤَثِّرَةً فِي إِيجَادِهِ. وَبِهَذَا لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مَجْبُورًا كَالْحَجَرِ، وَلَا خَالِقًا لِفِعْلِهِ؛ فَالْخَلْقُ لِلَّهِ، وَالْقَصْدُ وَالِاخْتِيَارُ وَالْكَسْبُ لِلْعَبْدِ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِرَادَةِ اللَّهِ الْمَعْصِيَةَ أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا أَوْ رَضِيَهَا؛ فَالْإِرَادَةُ غَيْرُ الْأَمْرِ وَالرِّضَا. وَاللَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَ مَا عَلِمَ أَنَّهُ يَقَعُ، وَقَدْ نَهَى عَنْ بَعْضِهِ وَلَمْ يَرْضَهُ. وَالشَّرُّ لَا يُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ نِسْبَةَ نَقْصٍ وَظُلْمٍ؛ فَلَهُ فِي خَلْقِهِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَهُوَ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَالْخَلْقُ يُسْأَلُونَ.
وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْمَلَ وَيَخْتَارَ الْخَيْرَ، وَيَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ، وَيَطْلُبَ عَوْنَ اللَّهِ. فَلَا يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ قَبْلَ فِعْلِهِ مَا كُتِبَ لَهُ، وَقَدْ عَلِمَ أَمْرَ الشَّرْعِ وَنَهْيَهُ. وَمَنْ عَلِمَ أَنَّ التَّوْفِيقَ مِنَ اللَّهِ، جَمَعَ بَيْنَ الْجِدِّ فِي الْعَمَلِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى رَبِّهِ.