اَلْفَصْلُ الْعِشْرُونَ: الْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ وَخَطَرُ التَّكْفِيرِ
اَلْإِيمَانُ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ بِمَا عُلِمَ مَجِيءُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ ضَرُورَةً، وَالنُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ عَلَى مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِيهِ، إِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ. وَالْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ وَكَمَالُهُ، وَتَزْدَادُ أَنْوَارُهُ بِالطَّاعَاتِ، وَتَضْعُفُ آثَارُهُ بِالْمَعَاصِي. وَلَا يَكْفُرُ الْمُسْلِمُ بِمُجَرَّدِ ذَنْبٍ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ، مَا لَمْ يَسْتَحِلَّ مَا عُلِمَ تَحْرِيمُهُ ضَرُورَةً، أَوْ يَنْقُضْ أَصْلَ تَصْدِيقِهِ.
وَالْكُفْرُ لَيْسَ كَلِمَةً لِلشَّتْمِ وَالتَّنْفِيرِ، بَلْ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَهُ أَسْبَابٌ وَشُرُوطٌ وَآثَارٌ. وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْحُكْمِ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوِ اعْتِقَادٍ مُعَيَّنٍ بِأَنَّهُ كُفْرٌ، وَبَيْنَ الْحُكْمِ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ بِأَنَّهُ كَافِرٌ. فَقَدْ يَكُونُ الْقَوْلُ فِي نَفْسِهِ كُفْرًا، ثُمَّ يَمْنَعُ مِنْ إِلْزَامِ قَائِلِهِ بِحُكْمِهِ جَهْلٌ مُعْتَبَرٌ، أَوْ سَبْقُ لِسَانٍ، أَوْ إِكْرَاهٌ، أَوْ تَأْوِيلٌ لَهُ وَجْهٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَمِنْ شُرُوطِ الْحُكْمِ عَلَى الشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ ثُبُوتُ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ عَنْهُ، وَفَهْمُ مَعْنَاهُ وَسِيَاقِهِ، وَالتَّحَقُّقُ مِنْ قَصْدِهِ وَاخْتِيَارِهِ. وَقَدْ يَحْتَاجُ الْحُكْمُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ إِلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهٍ يَقْطَعُ الْعُذْرَ. وَمِنْ مَوَانِعِهِ الْجَهْلُ، وَالْخَطَأُ، وَالْإِكْرَاهُ، وَالتَّأْوِيلُ، بِحَسَبِ تَفْصِيلِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَقِّقِينَ. وَلَيْسَ مَعْنَى ذِكْرِ هَذِهِ الْمَوَانِعِ أَنَّهَا تُقْبَلُ فِي كُلِّ صُورَةٍ، بَلْ تَقْدِيرُهَا مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْقَضَاءِ الْمُخْتَصِّ.
وَحُكْمُ التَّكْفِيرِ لَهُ آثَارٌ خَطِيرَةٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَلِهَذَا لَا يُتْرَكُ لِغَضَبِ طَالِبٍ، أَوْ حَمَاسَةِ خَطِيبٍ، أَوْ خِصَامِ جَمَاعَةٍ. وَالْوَاجِبُ إِحَالَتُهُ إِلَى الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ وَالْقَضَاءِ الْمُخْتَصِّ، مَعَ حِفْظِ اللِّسَانِ وَالدُّعَاءِ لِلْخَلْقِ بِالْهِدَايَةِ. وَالِاحْتِيَاطُ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَحْكَامِ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ، لَا مِنَ الضَّعْفِ فِي الْعَقِيدَةِ.