الْبَابُ ٤: صُحْبَةُ الْقُرْآنِ وَآدَابُ تِلَاوَتِهِ
أَصْلُ الْبَابِ
صُحْبَةُ الْقُرْآنِ أَنْ يُلَازِمَهُ الطَّالِبُ بِتَعْظِيمٍ، وَتِلَاوَةٍ صَحِيحَةٍ، وَتَدَبُّرٍ، وَعَمَلٍ، حَتَّى يَكُونَ نُورًا فِي حَيَاتِهِ وَخُلُقِهِ
بَيَانُ الْمَعْنَى
اَلْقُرْآنُ كَلَامُ اللّٰهِ، أَنْزَلَهُ هُدًى وَرَحْمَةً وَنُورًا. وَمَنْ أَرَادَ صَلَاحَ قَلْبِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِلْقُرْآنِ مَكَانًا عَظِيمًا فِي يَوْمِهِ، وَلْيُقْبِلْ عَلَيْهِ بِمَحَبَّةٍ وَتَعْظِيمٍ.
قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. وَمِنْ مَقَاصِدِ التِّلَاوَةِ أَنْ يَفْهَمَ الطَّالِبُ، وَيَلِينَ قَلْبُهُ، وَيَسْتَقِيمَ عَمَلُهُ.
وَمِنْ آدَابِ التِّلَاوَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ عِنْدَ مَسِّ الْمُصْحَفِ، وَأَنْ يَحْمِلَهُ بِعِنَايَةٍ، وَيَضَعَهُ فِي مَكَانٍ لَائِقٍ. وَإِذَا تُلِيَ الْقُرْآنُ، أَنْصَتَ وَتَرَكَ الْحَدِيثَ وَاللَّعِبَ وَكُلَّ مَا يُشَوِّشُ.
وَيَقْرَأُ الطَّالِبُ بِتَرَتُّلٍ، وَيَتَعَلَّمُ مَخَارِجَ الْحُرُوفِ وَأَحْكَامَ التِّلَاوَةِ عَلَى يَدِ مُعَلِّمٍ. وَإِذَا صَحَّحَ لَهُ مُعَلِّمُهُ خَطَأً، قَبِلَ التَّصْحِيحَ بِفَرَحٍ؛ لِأَنَّهُ يُعِينُهُ عَلَى حُسْنِ قِرَاءَةِ كَلَامِ اللّٰهِ.
وَيَسْأَلُ عَنْ مَعَانِي الْآيَاتِ الَّتِي لَا يَفْهَمُهَا، وَلَا يُفَسِّرُهَا بِهَوَاهُ. فَإِذَا قَرَأَ أَمْرًا بِالصِّدْقِ عَمِلَ بِهِ، وَإِذَا قَرَأَ نَهْيًا عَنِ الظُّلْمِ تَرَكَهُ، وَإِذَا قَرَأَ وَعْدًا رَجَا رَبَّهُ.
وَيَجْعَلُ لِنَفْسِهِ وِرْدًا مُنَاسِبًا يَقْرَؤُهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيُرَاجِعُ مَا حَفِظَهُ دُونَ انْقِطَاعٍ. فَالْقَلِيلُ الدَّائِمُ أَثْبَتُ فِي الْقَلْبِ، وَبِهِ تَقْوَى صِلَةُ الطَّالِبِ بِالْقُرْآنِ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
وَتَبْقَى هِدَايَةُ الْقُرْآنِ مَعَهُ فِي الْفَرَحِ وَالْحُزْنِ، وَفِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ. فَإِذَا تَحَيَّرَ، رَجَعَ إِلَيْهَا، وَإِذَا ضَاقَ صَدْرُهُ، وَجَدَ فِي تِلَاوَتِهِ سَكِينَةً وَرَجَاءً.