الْبَابُ ٥: حُرْمَةُ الْعِلْمِ وَحَقُّ الْمُعَلِّمِ
أَصْلُ الْبَابِ
حُرْمَةُ الْعِلْمِ تُحْفَظُ بِتَعْظِيمِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَحَقُّ الْمُعَلِّمِ يُؤَدَّى بِالتَّوْقِيرِ، وَالْإِنْصَاتِ، وَحُسْنِ السُّؤَالِ، وَقَبُولِ التَّوْجِيهِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
اَلْمُعَلِّمُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ وُصُولِ الْعِلْمِ إِلَى الطَّالِبِ، وَاللّٰهُ هُوَ الَّذِي يَهَبُ الْفَهْمَ وَالتَّوْفِيقَ. فَيَشْكُرُ الطَّالِبُ رَبَّهُ، وَيَحْتَرِمُ مُعَلِّمَهُ لِعِلْمِهِ وَتَعَبِهِ وَنُصْحِهِ.
قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فَالسُّؤَالُ طَرِيقُ الْفَهْمِ، وَيَحْسُنُ السُّؤَالُ إِذَا كَانَ بِكَلَامٍ مُهَذَّبٍ، وَفِي وَقْتٍ مُنَاسِبٍ، وَبِقَصْدِ التَّعَلُّمِ.
وَيَأْتِي الطَّالِبُ إِلَى مَجْلِسِ الْعِلْمِ فِي وَقْتِهِ، وَيُحْضِرُ كِتَابَهُ وَقَلَمَهُ، وَيَجْلِسُ بِسَكِينَةٍ. وَيَسْتَمِعُ إِلَى الشَّرْحِ، وَلَا يُقَاطِعُ الْمُعَلِّمَ، وَلَا يَشْغَلُ زُمَلَاءَهُ بِضَحِكٍ أَوْ كَلَامٍ جَانِبِيٍّ.
وَإِذَا لَمْ يَفْهَمْ، سَأَلَ مِنْ غَيْرِ خَجَلٍ وَلَا تَكَبُّرٍ، وَإِذَا صُحِّحَ خَطَؤُهُ شَكَرَ مُعَلِّمَهُ، وَلَمْ يُجَادِلْ تَكَبُّرًا وَعِنَادًا. فَقَبُولُ التَّصْحِيحِ دَلِيلُ عَقْلٍ وَصِدْقٍ، وَسَبَبٌ لِثُبُوتِ الْعِلْمِ.
وَالْمُعَلِّمُ بَشَرٌ يُصِيبُ وَيُخْطِئُ، فَإِذَا أَشْكَلَ عَلَى الطَّالِبِ كَلَامٌ، سَأَلَ عَنْهُ بِأَدَبٍ، وَرَجَعَ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلَا يَجْعَلُ الْخَطَأَ سَبَبًا لِلسُّخْرِيَةِ أَوِ الْغِيبَةِ أَوْ نِسْيَانِ فَضْلِ الْمُعَلِّمِ.
وَمِنْ حُرْمَةِ الْعِلْمِ أَنْ يَعْمَلَ الطَّالِبُ بِمَا عَلِمَ، وَيَحْفَظَ حَقَّ زُمَلَائِهِ، فَيُعِينَهُمْ وَلَا يُشَوِّشُ عَلَيْهِمْ، وَيُحِبُّ لَهُمُ الْفَهْمَ وَالنَّجَاحَ. فَمَجْلِسُ الْعِلْمِ يَبْنِي الْعَقْلَ وَيُهَذِّبُ الْخُلُقَ مَعًا.
وَيَصُونُ كُتُبَهُ وَدَفَاتِرَهُ مِنَ الْإِهْمَالِ، وَيُرَتِّبُ مَا كَتَبَهُ، وَيُرَاجِعُهُ فِي وَقْتِهِ. فَتَعْظِيمُ الْعِلْمِ يَظْهَرُ أَيْضًا فِي حُسْنِ الِاسْتِعْدَادِ لَهُ وَدَوَامِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ.