الْبَابُ ٧: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَحِفْظُ الْجَمِيلِ
أَصْلُ الْبَابِ
بِرُّ الْوَالِدَيْنِ عِبَادَةٌ عَظِيمَةٌ، وَحِفْظُ جَمِيلِهِمَا يَظْهَرُ فِي الشُّكْرِ، وَالطَّاعَةِ فِي الْمَعْرُوفِ، وَالدُّعَاءِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
اَلْوَالِدَانِ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى الْوَلَدِ فَضْلًا وَرَحْمَةً؛ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَرَعَاهُ أَبَوَاهُ، وَبَذَلَا مِنْ وَقْتِهِمَا وَمَالِهِمَا وَرَاحَتِهِمَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى إِحْصَائِهِ.
وَقَدْ أَمَرَ اللّٰهُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا بَعْدَ الْأَمْرِ بِتَوْحِيدِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. فَالْإِحْسَانُ إِلَيْهِمَا دَلِيلُ إِيمَانٍ، وَعَلَامَةُ وَفَاءٍ، وَسَبَبٌ لِلْبَرَكَةِ.
وَيَبَرُّهُمَا الطَّالِبُ بِكَلَامٍ لَيِّنٍ، وَوَجْهٍ طَلْقٍ، وَسُرْعَةِ إِجَابَةٍ، وَتَرْكِ التَّأَفُّفِ. وَإِذَا بَعُدَ عَنْهُمَا، حَفِظَ صِلَتَهُ بِهِمَا، وَأَخْبَرَهُمَا عَنْ حَالِهِ، وَدَعَا لَهُمَا فِي صَلَاتِهِ.
وَطَاعَتُهُمَا تَكُونُ فِي الْمَعْرُوفِ. وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الطَّالِبُ تَنْفِيذَ أَمْرٍ، أَوْ رَأَى فِيهِ ضَرَرًا، شَرَحَ حَالَهُ بِهُدُوءٍ، وَطَلَبَ الْمَشُورَةَ، وَلَمْ يَجْعَلِ الِاخْتِلَافَ بَابًا لِلْجَفَاءِ.
وَحِفْظُ الْجَمِيلِ أَنْ يَذْكُرَ تَعَبَهُمَا، وَلَا يَنْسَى فَضْلَهُمَا عِنْدَ الْغَضَبِ. وَيَسْتَمِرُّ فِي بِرِّهِمَا مَا دَامَا حَيَّيْنِ، وَيَبْقَى بِرُّهُ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا بِالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَصِلَةِ أَهْلِ وُدِّهِمَا.
وَمِنْ أَجْمَلِ طُرُقِ شُكْرِهِمَا أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعَلُّمِهِ، وَيَصُونَ نَفْسَهُ، وَيَصِيرَ صَالِحًا نَافِعًا. فَحُسْنُ خُلُقِ الْوَلَدِ وَصِدْقُهُ وَجِدُّهُ ثَمَرَةٌ تُفْرِحُ قَلْبَيْهِمَا.
وَعِنْدَمَا يَرْجِعُ إِلَى بَيْتِهِ، يَخْدُمُهُمَا بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيُخَفِّفُ عَنْهُمَا، وَلَا يَجْعَلُ دِرَاسَتَهُ سَبَبًا لِلتَّعَالِي عَلَيْهِمَا. فَزِيَادَةُ الْعِلْمِ يَنْبَغِي أَنْ تَزِيدَهُ بِرًّا صَادِقًا، وَرَحْمَةً، وَوَفَاءً دَائِمًا.