الْبَابُ ١٢: الصَّبْرُ عَلَى التَّرْبِيَةِ وَالثَّبَاتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلصَّبْرُ عَلَى التَّرْبِيَةِ أَنْ يَثْبُتَ الطَّالِبُ عَلَى مَا يُصْلِحُهُ، وَيَحْمِلَ نَفْسَهُ عَلَى الْجِدِّ بِحِكْمَةٍ، وَلَا يَجْعَلَ تَعَبَ الْيَوْمِ حُكْمًا عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
اَلنَّفْسُ لَا تَتَغَيَّرُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَالْعِلْمُ لَا يَثْبُتُ بِدَرْسٍ وَاحِدٍ. فَكُلُّ خُلُقٍ كَرِيمٍ وَمَهَارَةٍ نَافِعَةٍ يَحْتَاجَانِ إِلَى تَدْرِيبٍ، وَتَكْرَارٍ، وَصَبْرٍ عَلَى الْخَطَإِ وَالتَّصْحِيحِ.
قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فَمَنْ صَدَقَ فِي مُجَاهَدَةِ نَفْسِهِ، وَاسْتَعَانَ بِرَبِّهِ، فَتَحَ اللّٰهُ لَهُ أَبْوَابًا مِنَ الْهُدَى وَالْقُوَّةِ.
وَالنِّظَامُ الْيَوْمِيُّ يُدَرِّبُ الطَّالِبَ عَلَى أَنْ يَقُودَ نَفْسَهُ، فَيُؤَدِّيَ الْوَاجِبَ وَإِنْ ثَقُلَ، وَيُتِمَّ عَمَلَهُ وَإِنْ مَلَّ. وَمَعَ الْأَيَّامِ تُقَوِّي الْمُشَقَّةُ الْمَعْقُولَةُ إِرَادَتَهُ، وَتُثَبِّتُ خُلُقَهُ.
وَالْمَشَقَّةُ لَيْسَتْ غَايَةً فِي نَفْسِهَا؛ إِنَّمَا تَنْفَعُ إِذَا كَانَتْ فِي طَرِيقِ خَيْرٍ، وَرَافَقَتْهَا الْحِكْمَةُ وَالرَّحْمَةُ وَالتَّوَازُنُ. وَإِذَا مَرِضَ الطَّالِبُ، أَوْ تَحَيَّرَ، أَوْ خَافَ ضَرَرًا، أَخْبَرَ مَنْ يَثِقُ بِهِ وَطَلَبَ الْمُسَاعَدَةَ.
وَقَدْ يَبْدَأُ الْخَيْرُ صَغِيرًا، كَبِذْرَةٍ تُغْرَسُ فِي الْأَرْضِ، ثُمَّ تَصِيرُ شَجَرَةً نَافِعَةً. فَلَا تُقَاسُ قِيمَةُ الْبِدَايَةِ بِكَثْرَةِ الْعَدَدِ وَسَعَةِ الْمَكَانِ وَحْدَهُمَا، وَإِنَّمَا تُقَاسُ بِصِدْقِهَا وَطِيبِ ثَمَرَتِهَا. وَالْمُسْتَقْبَلُ الطَّيِّبُ يَبْنِيهِ عِلْمٌ رَاسِخٌ، وَخُلُقٌ مَتِينٌ، وَهِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَعَادَةُ إِتْمَامِ الْعَمَلِ.
وَإِذَا تَعِبَ الطَّالِبُ، تَذَكَّرَ غَايَتَهُ، وَجَدَّدَ نِيَّتَهُ، وَاسْتَعَانَ بِاللّٰهِ، وَشَاوَرَ وَالِدَيْهِ وَمُعَلِّمَهُ. وَقَدْ يَحْتَاجُ إِلَى رَاحَةٍ تُجَدِّدُ قُوَّتَهُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَى طَرِيقِهِ بِقَلْبٍ أَهْدَأَ وَعَزْمٍ أَثْبَتَ؛ فَمَنْ تَعَلَّمَ أَنْ يَصْبِرَ الْيَوْمَ، كَانَ أَقْدَرَ غَدًا عَلَى حَمْلِ الْأَمَانَةِ وَنَفْعِ النَّاسِ.