الْبَابُ ١٥: الْقَلْبُ وَحَيَاتُهُ وَقَسْوَتُهُ
أَصْلُ الْبَابِ
حَيَاةُ الْقَلْبِ فِي إِيمَانِهِ وَذِكْرِهِ وَقَبُولِهِ لِلْحَقِّ، وَقَسْوَتُهُ فِي غَفْلَتِهِ وَإِصْرَارِهِ وَبُعْدِهِ عَنِ الرَّحْمَةِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
اَلْقَلْبُ مَوْضِعُ النِّيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ وَالْعَزْمِ. وَإِذَا صَلَحَ مَا فِي الدَّاخِلِ ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي الْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْيَدِ. وَإِذَا فَسَدَ، لَمْ يَنْفَعِ الْإِنْسَانَ طُولُ كَلَامِهِ عَنِ الْأَخْلَاقِ.
قَالَ رَسُولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). فَإِصْلَاحُ الْقَلْبِ أَصْلٌ لِإِصْلَاحِ السُّلُوكِ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ حَيَاةِ الْقَلْبِ أَنْ يَفْرَحَ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْدَمَ عَلَى الْخَطَإِ، وَيَقْبَلَ النَّصِيحَةَ، وَيَرْحَمَ الضَّعِيفَ، وَيَشْتَاقَ إِلَى الْقُرْآنِ. وَالْقَلْبُ الْحَيُّ قَدْ يَضْعُفُ، وَلٰكِنَّهُ يَسْتَجِيبُ لِلدَّوَاءِ وَلَا يَرْضَى بِالْمَرَضِ. وَمِنْ حَيَاتِهِ أَيْضًا أَنْ يَتَأَلَّمَ لِخَطَئِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْضَحَ نَفْسَهُ أَوْ يَقْنَطَ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ؛ فَالنَّدَمُ الصَّادِقُ يَدْفَعُ إِلَى الْإِصْلَاحِ، وَلَا يَدْفَعُ إِلَى الْيَأْسِ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ الْقَسْوَةِ أَنْ يَسْمَعَ الطَّالِبُ الْحَقَّ فَلَا يَهْتَمَّ، وَأَنْ يُؤْذِيَ غَيْرَهُ فَلَا يَنْدَمَ، وَأَنْ يَسْخَرَ مِنَ الذَّنْبِ وَالنَّصِيحَةِ. وَلَا يُحْكَمُ بِقَسْوَةِ الْقَلْبِ لِمُجَرَّدِ تَعَبٍ عَابِرٍ أَوْ حُزْنٍ طَبِيعِيٍّ.
وَتَقْسُو الْقُلُوبُ بِتَكْرَارِ الذُّنُوبِ، وَكَثْرَةِ اللَّغْوِ، وَإِدْمَانِ النَّظَرِ إِلَى عُيُوبِ النَّاسِ، وَالْهُرُوبِ مِنْ كُلِّ نَصِيحَةٍ. فَالْخَطَأُ الْوَاحِدُ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، أَمَّا الْإِصْرَارُ فَيَجْعَلُ الْخَطَأَ مَأْلُوفًا.
وَكَثْرَةُ الْمُبَاحَاتِ إِذَا شَغَلَتْ عَنِ الْوَاجِبِ قَدْ تُضْعِفُ حِسَّ الْقَلْبِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ فَلْيَكُنْ لِلطَّالِبِ قَدْرٌ مُعْتَدِلٌ مِنَ الرَّاحَةِ وَاللَّهْوِ.
وَدَوَاءُ الْقَلْبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ، وَالذِّكْرُ بِحُضُورٍ، وَالِاسْتِغْفَارُ بِصِدْقٍ، وَصُحْبَةُ مَنْ يُذَكِّرُ بِاللّٰهِ، وَخِدْمَةُ الضُّعَفَاءِ. وَيَنْفَعُهُ أَيْضًا أَنْ يَقِلَّ كَلَامُهُ فِي عُيُوبِ غَيْرِهِ، وَيَكْثُرَ نَظَرُهُ فِي عَيْبِ نَفْسِهِ.
وَفِي الْمَعْهَدِ يُمْتَحَنُ الْقَلْبُ عِنْدَ التَّصْحِيحِ وَالْخِلَافِ وَالْمُشَارَكَةِ. فَمَنْ بَادَرَ إِلَى الِاعْتِذَارِ، وَرَدَّ الْحَقَّ، وَأَعَانَ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ مَدْحُهُ، فَقَدْ سَقَى قَلْبَهُ بِعَمَلٍ صَادِقٍ.