الْبَابُ ١٧: الثَّبَاتُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَأَسْبَابُ الِانْتِكَاسِ
أَصْلُ الْبَابِ
صِدْقُ التَّوْبَةِ يَظْهَرُ فِي تَغْيِيرِ أَسْبَابِ الذَّنْبِ، وَالثَّبَاتُ يُبْنَى بِالِاسْتِقَامَةِ الْيَوْمِيَّةِ وَسُرْعَةِ الرُّجُوعِ بَعْدَ الزَّلَلِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
قَدْ يَنْدَمُ الطَّالِبُ عَلَى خَطَإٍ، وَيَعْزِمُ عَلَى تَرْكِهِ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَالسَّبَبُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ أَنَّهُ غَيَّرَ كَلَامَهُ وَلَمْ يُغَيِّرْ طَرِيقَهُ، فَبَقِيَتِ الصُّحْبَةُ وَالْعَادَةُ وَالْفَرَاغُ كَمَا كَانَتْ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الِانْتِكَاسِ الثِّقَةُ الزَّائِدَةُ بِالنَّفْسِ، وَالِاقْتِرَابُ مِنْ مَوَاضِعِ الْفِتْنَةِ، وَتَرْكُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْبَدِيلِ. وَمِنْهَا أَنْ يَطْلُبَ الطَّالِبُ كَمَالًا سَرِيعًا، فَإِذَا زَلَّ مَرَّةً قَالَ: لَا فَائِدَةَ مِنَ الْمُحَاوَلَةِ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ كَلَامًا جَامِعًا: «قُلْ: آمَنْتُ بِاللّٰهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَالِاسْتِقَامَةُ عَمَلٌ مُتَجَدِّدٌ، وَهِيَ حِفْظُ الْوِجْهَةِ إِلَى اللّٰهِ فِي الْأَيَّامِ السَّهْلَةِ وَالصَّعْبَةِ.
وَيَثْبُتُ التَّائِبُ إِذَا أَغْلَقَ بَابَ الْخَطَإِ، وَفَتَحَ بَدَلَهُ بَابًا لِلْخَيْرِ. فَمَنْ كَانَ يُضَيِّعُ وَقْتَهُ جَعَلَ لَهُ عَمَلًا مَعْلُومًا، وَمَنْ كَانَ يَضْعُفُ مَعَ صُحْبَةٍ سَيِّئَةٍ قَرُبَ مِنْ صَاحِبٍ يُعِينُهُ.
وَيَنْفَعُهُ أَنْ يَعْرِفَ أَوَّلَ إِشَارَاتِ الضَّعْفِ؛ كَتَرْكِ وِرْدٍ، أَوْ كَثْرَةِ الْعُزْلَةِ، أَوِ التَّسَاهُلِ فِي الصَّغِيرِ. فَإِذَا تَدَارَكَهَا فِي بَدَايَتِهَا، لَمْ تَتَحَوَّلْ إِلَى انْتِكَاسَةٍ كَامِلَةٍ.
وَفِي الْمَعْهَدِ لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الطَّالِبُ بَعْدَ التَّقْصِيرِ: لَنْ أَعُودَ. فَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ السَّهَرَ نَظَّمَ نَوْمَهُ، وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ صُحْبَةً غَيَّرَهَا، أَوْ مَكَانًا ابْتَعَدَ عَنْهُ، وَإِنْ تَعَلَّقَ بِحَقٍّ رَدَّهُ وَاعْتَذَرَ.
وَإِذَا وَقَعَتِ الزَّلَّةُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَا تُجْعَلُ عُذْرًا لِلْإِصْرَارِ، وَلَا سَبَبًا لِلْيَأْسِ. يُجَدِّدُ الطَّالِبُ تَوْبَتَهُ، وَيَبْحَثُ عَنِ الْبَابِ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ الْخَطَأُ، وَيَزِيدُ حِرَاسَتَهُ فِي ذٰلِكَ الْمَوْضِعِ.
وَعَلَامَةُ الثَّبَاتِ لَيْسَتْ أَنْ لَا يُخْطِئَ الْإِنْسَانُ أَبَدًا، وَإِنَّمَا أَنْ تَقِلَّ زَلَّاتُهُ، وَتَقْصُرَ مُدَّةُ بُعْدِهِ عَنِ اللّٰهِ، وَيَسْرُعَ إِصْلَاحُهُ. وَبِهٰذَا تَصِيرُ كُلُّ عَثْرَةٍ سَبَبًا لِمَعْرِفَةٍ أَعْمَقَ وَنُضْجٍ أَثْبَتَ.