الْبَابُ ١٨: الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ وَدَقَائِقُ النِّيَّةِ
الْبَابُ ١٨: الرِّيَاءُ وَالْعُجْبُ وَدَقَائِقُ النِّيَّةِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلرِّيَاءُ طَلَبُ مَنْزِلَةٍ عِنْدَ النَّاسِ بِالْعَمَلِ، وَالْعُجْبُ نِسْبَةُ الْفَضْلِ إِلَى النَّفْسِ، وَسَلَامَةُ النِّيَّةِ أَنْ يُرَادَ بِالْعَمَلِ وَجْهُ اللّٰهِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
قَدْ يَبْدَأُ الْعَمَلُ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَى الْقَلْبِ حُبُّ الْمَدْحِ فِي أَثْنَائِهِ، أَوْ يَأْتِي الْعُجْبُ بَعْدَ تَمَامِهِ. وَلِذٰلِكَ تَحْتَاجُ النِّيَّةُ إِلَى حِرَاسَةٍ قَبْلَ الْعَمَلِ وَفِيهِ وَبَعْدَهُ.
قَالَ رَسُولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ). فَقِيمَةُ الْعَمَلِ عِنْدَ اللّٰهِ مُرْتَبِطَةٌ بِقَصْدِ الْقَلْبِ، وَلَا يَعْلَمُ سَرِيرَةَ الْعَبْدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا رَبُّهُ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ الرِّيَاءِ أَنْ يَنْشَطَ الطَّالِبُ إِذَا رَآهُ النَّاسُ، وَيَفْتُرَ إِذَا غَابُوا، أَوْ يَغْضَبَ لِأَنَّ اسْمَهُ لَمْ يُذْكَرْ. وَلَيْسَ كُلُّ فَرَحٍ بِثَنَاءِ النَّاسِ رِيَاءً، فَالْمِيزَانُ هُوَ الْقَصْدُ الَّذِي حَرَّكَ الْعَمَلَ.
وَالْعُجْبُ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَالْمَوْهِبَةِ وَالْخِدْمَةِ. فَقَدْ يَظُنُّ الطَّالِبُ أَنَّهُ نَجَحَ بِقُوَّتِهِ وَحْدَهَا، وَيَنْسَى تَوْفِيقَ اللّٰهِ، وَتَعْلِيمَ مُعَلِّمِهِ، وَمُسَاعَدَةَ أَهْلِهِ، وَسَتْرَ اللّٰهِ لِعُيُوبِهِ.
وَدَوَاءُ الرِّيَاءِ أَنْ يُجَدِّدَ الطَّالِبُ قَصْدَهُ، وَأَنْ يُخْفِيَ مِنْ نَوَافِلِهِ مَا يَسْتَطِيعُ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ فِي الْخَيْرِ وَإِنْ لَمْ يُمْدَحْ. وَلَا يَتْرُكُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ، فَإِنَّمَا يُصْلِحُ نِيَّتَهُ وَيَمْضِي.
وَدَوَاءُ الْعُجْبِ أَنْ يَنْسُبَ الْفَضْلَ إِلَى اللّٰهِ، وَيَعْرِفَ نَقْصَهُ، وَيَقْبَلَ التَّصْحِيحَ. فَإِذَا أَحْسَنَ الْقِرَاءَةَ أَوِ التَّعْلِيمَ قَالَ بِقَلْبِهِ: هٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي، وَلَوْ شَاءَ لَسَلَبَنِي الْقُدْرَةَ وَالتَّوْفِيقَ.
وَتَظْهَرُ دَقَائِقُ النِّيَّةِ فِي السَّكَنِ وَالْفَصْلِ: فِي تَنْظِيفٍ لَا يَرَاهُ الْمُعَلِّمُ، وَإِجَابَةٍ يَعْرِفُهَا الطَّالِبُ، وَمَسْؤُولِيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَجْلِبَ الثَّنَاءَ. وَالطَّالِبُ الصَّادِقُ يَعْمَلُ بِإِتْقَانٍ، ثُمَّ لَا يَجْعَلُ نَظَرَ النَّاسِ مِيزَانَ قِيمَتِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَجْتَمِعَ فِي الْعَمَلِ نِيَّاتٌ صَالِحَةٌ؛ فَيَتَعَلَّمُ لِيَرْضَى اللّٰهُ، وَلِيَرْفَعَ الْجَهْلَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلِيَنْفَعَ غَيْرَهُ. وَكُلَّمَا صَدَقَ فِي هٰذِهِ الْمَقَاصِدِ، اتَّسَعَ نَفْعُ عَمَلِهِ وَقَلَّ حَظُّ نَفْسِهِ.