الْبَابُ ١٩: الْكِبْرُ وَالتَّوَاضُعُ وَقَبُولُ الْحَقِّ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلْكِبْرُ يَمْنَعُ الْقَلْبَ مِنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَاحْتِرَامِ الْخَلْقِ، وَالتَّوَاضُعُ مَعْرِفَةُ الْفَضْلِ لِلّٰهِ وَالرُّجُوعُ إِلَى الصَّوَابِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
قَدْ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ الْكِبْرَ هُوَ حُسْنُ الثِّيَابِ أَوِ الثِّقَةُ بِالنَّفْسِ، وَهٰذَا غَيْرُ دَقِيقٍ. فَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَتَهُ فَقَالَ: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، أَيْ رَدُّ الْحَقِّ وَاحْتِقَارُ الْخَلْقِ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ الْكِبْرِ أَنْ يَضِيقَ الطَّالِبُ بِالتَّصْحِيحِ، وَيُصِرَّ عَلَى كَلَامِهِ بَعْدَ ظُهُورِ خَطَئِهِ، وَيَحْتَقِرَ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ، وَيَرَى بَعْضَ الْأَعْمَالِ دُونَ مَقَامِهِ. وَقَدْ يَسْكُتُ الْمُتَكَبِّرُ، وَلٰكِنَّ قَلْبَهُ يَرْفُضُ الْحَقَّ.
وَيَدْخُلُ الْكِبْرُ عَلَى الطَّالِبِ مِنْ عِلْمٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ مَوْهِبَةٍ أَوْ مَسْؤُولِيَّةٍ. وَأَخْطَرُهُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةٍ، فَيَرَى نَفْسَهُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَيَنْسَى أَنَّ الْقَبُولَ بِيَدِ اللّٰهِ.
وَالتَّوَاضُعُ لَا يَعْنِي ضَعْفَ الشَّخْصِيَّةِ، وَلَا الرِّضَا بِالظُّلْمِ، وَلَا إِخْفَاءَ النِّعْمَةِ. إِنَّمَا يَعْنِي أَنْ يَعْرِفَ الطَّالِبُ قَدْرَهُ مِنْ غَيْرِ تَعَالٍ، وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ قُوَّتَهُ فِي النَّفْعِ لَا فِي إِذْلَالِ غَيْرِهِ.
وَمِنْ دَوَاءِ الْكِبْرِ أَنْ يَتَعَوَّدَ قَوْلَ: أَخْطَأْتُ، وَجَزَاكَ اللّٰهُ خَيْرًا عَلَى التَّنْبِيهِ. وَأَنْ يَسْتَشِيرَ، وَيَسْمَعَ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّ، وَيَخْدُمَ فِي الْأَعْمَالِ الْيَوْمِيَّةِ، وَيَتَذَكَّرَ أَنَّ مَا عِنْدَهُ نِعْمَةٌ قَابِلَةٌ لِلزَّوَالِ.
وَمِنْ أَصْعَبِ صُوَرِ قَبُولِ الْحَقِّ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى لِسَانِ مَنْ لَا يُحِبُّهُ الطَّالِبُ؛ فَهُنَا يَظْهَرُ صِدْقُهُ فِي طَلَبِ الصَّوَابِ. يَأْخُذُ الْحَقَّ، وَلَا يَجْعَلُ خِلَافَهُ مَعَ الشَّخْصِ حِجَابًا عَنِ الْفَائِدَةِ.
وَفِي الْمَعْهَدِ يُعْرَفُ التَّوَاضُعُ عِنْدَ التَّعَامُلِ مَعَ الْأَصْغَرِ، وَعِنْدَ خَطَإِ الْمَسْؤُولِ، وَعِنْدَ نَجَاحِ الْمُنَافِسِ. فَمَنْ رَدَّ الْحَقَّ إِلَى صَاحِبِهِ، وَاعْتَذَرَ مِنْ خَطَئِهِ، وَحَفِظَ كَرَامَةَ غَيْرِهِ، فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ.
وَقَدْ يَحْتَاجُ الطَّالِبُ الْمَسْؤُولُ إِلَى الْحَزْمِ، وَلٰكِنَّ الْحَزْمَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِهَانَةٍ. يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيُبَيِّنُ الْخَطَأَ، وَيَحْفَظُ النِّظَامَ، ثُمَّ يَبْقَى قَلْبُهُ خَالِيًا مِنَ الِاحْتِقَارِ وَحُبِّ الظُّهُورِ.