الْبَابُ ٢٠: الْحَسَدُ وَالْغِبْطَةُ وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلْحَسَدُ كَرَاهِيَةُ نِعْمَةِ غَيْرِهِ وَتَمَنِّي زَوَالِهَا، وَالْغِبْطَةُ طَلَبُ مِثْلِ الْخَيْرِ مَعَ مَحَبَّةِ بَقَائِهِ لِصَاحِبِهِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
يَبْدَأُ الْحَسَدُ أَحْيَانًا بِمُقَارَنَةٍ صَغِيرَةٍ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى ضِيقٍ مِنْ نَجَاحِ الْآخَرِينَ. فَيَتَأَلَّمُ الطَّالِبُ إِذَا مُدِحَ صَاحِبُهُ، وَيَبْحَثُ عَنْ عَيْبِهِ، وَيَفْرَحُ إِذَا تَعَثَّرَ. وَهٰذِهِ عَلَامَاتٌ تَحْتَاجُ إِلَى عِلَاجٍ سَرِيعٍ.
وَيَقْوَى الْحَسَدُ إِذَا ظَنَّ الْإِنْسَانُ أَنَّ نَجَاحَ غَيْرِهِ يُنْقِصُ قَدْرَهُ، أَوْ أَنَّ فَضْلَ اللّٰهِ لَا يَسَعُ الْجَمِيعَ. وَقَدْ تُغَذِّيهِ الْمُنَافَسَةُ الَّتِي تَنْسَى الْأُخُوَّةَ، وَكَثْرَةُ النَّظَرِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
أَمَّا الْغِبْطَةُ فَتُحَوِّلُ نَجَاحَ الْآخَرِ إِلَى دَافِعٍ لِلِاجْتِهَادِ. فَإِذَا رَأَى الطَّالِبُ صَاحِبَهُ مُتْقِنًا لِلْقِرَاءَةِ، دَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ، وَسَأَلَهُ عَنْ طَرِيقَتِهِ، ثُمَّ عَمِلَ لِيَبْلُغَ مِثْلَهُ مِنْ غَيْرِ تَمَنِّي نَقْصِهِ.
وَقَدْ عَلَّمَنَا اللّٰهُ أَنْ نَقُولَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الْحَشْرِ: ١٠]. فَسَلَامَةُ الصَّدْرِ نِعْمَةٌ تُطْلَبُ مِنَ اللّٰهِ، وَتُحْفَظُ بِالدُّعَاءِ وَالْمُجَاهَدَةِ وَحُسْنِ الظَّنِّ.
وَمِنْ دَوَاءِ الْحَسَدِ أَنْ يَدْعُوَ الطَّالِبُ لِلْمَحْسُودِ، وَيَذْكُرَ مَحَاسِنَهُ بِصِدْقٍ، وَيُسَاعِدَهُ فِي خَيْرِهِ. فَقَدْ يَثْقُلُ ذٰلِكَ عَلَى النَّفْسِ فِي الْبِدَايَةِ، وَلٰكِنَّهُ يَقْطَعُ طَرِيقَ الْحِقْدِ وَيُعِيدُ لِلْقَلْبِ تَوَازُنَهُ.
وَيَنْفَعُهُ أَنْ يُحْصِيَ نِعَمَ اللّٰهِ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يَعِيشَ أَسِيرًا لِمَا فَاتَهُ. وَإِذَا سَمِعَ ثَنَاءً عَلَى غَيْرِهِ، فَلْيُدَرِّبْ لِسَانَهُ عَلَى التَّهْنِئَةِ، وَقَلْبَهُ عَلَى الدُّعَاءِ، وَلْيَبْدَأْ بِعَمَلٍ يُنَمِّي مَوْهِبَتَهُ.
وَفِي الْمَعْهَدِ تَكْثُرُ مَوَاضِعُ الْمُقَارَنَةِ: فِي الدَّرَجَاتِ، وَالْحِفْظِ، وَالصَّوْتِ، وَالرِّيَاضَةِ، وَقُرْبِ بَعْضِ الطُّلَّابِ مِنَ الْمُعَلِّمِينَ. وَالْعَاقِلُ يَجْعَلُ هٰذِهِ الْفُرُوقَ مَيْدَانًا لِلتَّعَاوُنِ، لَا سَبَبًا لِهَدْمِ الْأُخُوَّةِ.
وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ لَا تَعْنِي السُّكُوتَ عَنِ الظُّلْمِ أَوْ تَرْكَ الْحَقِّ. يَجُوزُ لِلطَّالِبِ أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ، وَأَنْ يُبَلِّغَ عَنِ الْأَذَى بِصِدْقٍ، ثُمَّ لَا يَجْعَلَ الْكَرَاهِيَةَ مَسْكَنًا دَائِمًا فِي قَلْبِهِ.