الْبَابُ ٢١: الْغَضَبُ وَالْحِقْدُ وَالْحِلْمُ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلْغَضَبُ قُوَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى ضَبْطٍ، وَالْحِقْدُ غَضَبٌ بَاقٍ فِي الْقَلْبِ، وَالْحِلْمُ ضَبْطُ النَّفْسِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
اَلْغَضَبُ شُعُورٌ طَبِيعِيٌّ يَحْدُثُ عِنْدَ الْأَذَى أَوِ الظُّلْمِ، وَلَا يُذَمُّ الْإِنْسَانُ بِمُجَرَّدِ شُعُورِهِ بِهِ. إِنَّمَا يُمْتَحَنُ فِيمَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ عِنْدَ الْغَضَبِ؛ فَرُبَّ كَلِمَةٍ فِي دَقِيقَةٍ هَدَمَتْ أُخُوَّةَ سِنِينَ.
قَالَ رَسُولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). فَالْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ تَظْهَرُ حِينَ يَقْدِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْبَطْشِ، ثُمَّ يَخْتَارُ الْعَدْلَ وَضَبْطَ النَّفْسِ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ الْغَضَبِ الْخَطِرِ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَسُرْعَةُ الِاتِّهَامِ، وَالرَّغْبَةُ فِي الْإِهَانَةِ، وَاتِّخَاذُ الْقَرَارِ قَبْلَ سَمَاعِ الْحَقِيقَةِ. وَقَدْ يَزْدَادُ الْغَضَبُ مَعَ الْجُوعِ وَالتَّعَبِ وَقِلَّةِ النَّوْمِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ الطَّالِبُ مَدَاخِلَهُ.
وَعِنْدَ اشْتِعَالِ الْغَضَبِ يَسْتَعِيذُ الطَّالِبُ بِاللّٰهِ، وَيَسْكُتُ، وَيُبَاعِدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْخِصَامِ حَتَّى يَهْدَأَ. وَلَا يَكْتُبُ رِسَالَةً، وَلَا يُصْدِرُ حُكْمًا، وَلَا يَعِدُ بِعُقُوبَةٍ وَهُوَ فِي شِدَّةِ الِانْفِعَالِ.
وَإِذَا هَدَأَ، بَحَثَ عَنِ الْحَقِّ بِأَدَبٍ: يَسْمَعُ الطَّرَفَ الْآخَرَ، وَيُبَيِّنُ مَا لَحِقَهُ مِنْ أَذًى مِنْ غَيْرِ سَبٍّ، وَيَطْلُبُ حَلًّا عَادِلًا. فَإِنْ تَجَاوَزَ فِي كَلَامِهِ اعْتَذَرَ، وَلَا يَجْعَلُ خَطَأَ غَيْرِهِ عُذْرًا لِظُلْمِهِ.
وَمِنَ الْحِلْمِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ طَلَبِ الْحَقِّ وَطَلَبِ الِانْتِصَارِ لِلنَّفْسِ؛ فَالْأَوَّلُ يَقِفُ عِنْدَ الْعَدْلِ، وَالثَّانِي لَا يَشْبَعُ مِنَ الْإِهَانَةِ. وَمَنْ عَرَفَ مَقْصِدَهُ سَهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ.
وَالْحِقْدُ يَبْدَأُ حِينَ يُعِيدُ الْقَلْبُ قِصَّةَ الْأَذَى، وَيَتَمَنَّى الِانْتِقَامَ، وَيَرْفُضُ كُلَّ صُلْحٍ. وَدَوَاؤُهُ الدُّعَاءُ، وَقَبُولُ الِاعْتِذَارِ الصَّادِقِ، وَقَطْعُ حَدِيثِ النَّفْسِ الَّذِي يُجَدِّدُ الْعَدَاوَةَ، مَعَ حِفْظِ الْحَقِّ بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ.
وَفِي السَّكَنِ قَدْ يَكُونُ سَبَبُ الْخِلَافِ دَوْرًا، أَوْ مَتَاعًا، أَوْ مُزَاحًا ثَقِيلًا. وَالْحِلْمُ لَا يَطْلُبُ مِنَ الْمَظْلُومِ أَنْ يُخْفِيَ أَذًى مُتَكَرِّرًا؛ بَلْ يُخْبِرُ الْمُرَبِّيَ، وَيَطْلُبُ الْحِمَايَةَ، وَيَحْفَظُ لِسَانَهُ مِنَ التَّعَدِّي.