الْبَابُ ٢٢: آفَاتُ اللِّسَانِ وَحُرْمَةُ الْأُخُوَّةِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَللِّسَانُ يَحْفَظُ الْأُخُوَّةَ بِالصِّدْقِ وَالسِّتْرِ وَالْكَلَامِ الطَّيِّبِ، وَيَهْدِمُهَا بِالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالسُّخْرِيَةِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ الْأَخِ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى عِرْضِهِ وَسِرِّهِ وَكَرَامَتِهِ. وَقَدْ تَبْدَأُ الْعَدَاوَةُ بِنُكْتَةٍ جَارِحَةٍ، أَوْ لَقَبٍ يَكْرَهُهُ صَاحِبُهُ، أَوْ سِرٍّ نُقِلَ لِلتَّسْلِيَةِ، ثُمَّ يَصْعُبُ جَمْعُ الْقُلُوبِ بَعْدَ ذٰلِكَ.
قَالَ رَسُولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). فَقَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ الطَّالِبُ يَزِنُ كَلَامَهُ بِصِدْقِهِ وَنَفْعِهِ وَمُنَاسَبَةِ وَقْتِهِ وَأُسْلُوبِهِ.
وَالْغِيبَةُ أَنْ يَذْكُرَ الْإِنْسَانُ أَخَاهُ بِمَا يَكْرَهُ فِي غَيْبَتِهِ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ صَحِيحًا. وَالنَّمِيمَةُ نَقْلُ الْكَلَامِ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى وَجْهِ الْإِفْسَادِ. وَالْكَذِبُ يُسْقِطُ الثِّقَةَ، حَتَّى يَشُكَّ النَّاسُ فِي صِدْقِ صَاحِبِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَمِنْ آفَاتِ اللِّسَانِ أَيْضًا كَثْرَةُ الِاتِّهَامِ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ، وَالْمِرَاءُ لِإِظْهَارِ الْغَلَبَةِ، وَالْمَزَاحُ الَّذِي يُهِينُ. وَقَوْلُ الْمُتَكَلِّمِ: إِنَّمَا كُنْتُ مَازِحًا، لَا يَمْحُو الْجُرْحَ مِنْ قَلْبِ صَاحِبِهِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَثَبَّتَ قَبْلَ نَقْلِ الْخَبَرِ؛ فَكَمْ مِنْ كَلَامٍ نُقِلَ نَاقِصًا، ثُمَّ بُنِيَ عَلَيْهِ ظَنٌّ وَخُصُومَةٌ. وَالسُّكُوتُ عَنْ خَبَرٍ لَا نَفْعَ فِيهِ مِنْ حِفْظِ اللِّسَانِ وَحُسْنِ الْأَدَبِ.
وَالنَّصِيحَةُ غَيْرُ الْفَضِيحَةِ؛ فَالنَّاصِحُ يَخْتَارُ الْوَقْتَ، وَيَتَكَلَّمُ عَلَى انْفِرَادٍ مَا أَمْكَنَ، وَيَذْكُرُ الْخَطَأَ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيرٍ. أَمَّا مَنْ يَذْكُرُ الْعَيْبَ أَمَامَ النَّاسِ لِيَظْهَرَ فَضْلُهُ، فَقَدْ أَفْسَدَ قَصْدَ النَّصِيحَةِ.
وَإِذَا وَقَعَ الطَّالِبُ فِي أَذَى اللِّسَانِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ، وَيَتُوبَ، وَيُصْلِحَ مَا أَفْسَدَهُ بِحِكْمَةٍ. فَلَا يُعِيدُ نَشْرَ الْكَلَامِ بِحُجَّةِ الِاعْتِذَارِ، وَيَسْأَلُ مُعَلِّمًا ثِقَةً عَنْ أَحْسَنِ طَرِيقٍ لِرَدِّ الْحَقِّ.
وَفِي السَّكَنِ تَحْتَاجُ الْأُخُوَّةُ إِلَى لِسَانٍ يَسْتُرُ، وَيُهَدِّئُ، وَيَجْمَعُ. فَالطَّالِبُ النَّاضِجُ لَا يَحْمِلُ كُلَّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَجْعَلُ مَجْلِسَهُ سُوقًا لِلْأَخْبَارِ، وَيَدْفَعُ الْغِيبَةَ بِكَلِمَةٍ حَكِيمَةٍ أَوْ يُغَيِّرُ الْمَوْضُوعَ.