الْبَابُ ٢٣: الْكَسَلُ وَالتَّسْوِيفُ وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلْكَسَلُ هُرُوبُ النَّفْسِ مِنَ الْعَمَلِ النَّافِعِ، وَالتَّسْوِيفُ تَأْخِيرُهُ بِلَا عُذْرٍ، وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ صِدْقُ التَّوَجُّهِ إِلَى مَعَالِي الْأُمُورِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
لَيْسَ كُلُّ تَعَبٍ كَسَلًا؛ فَالْبَدَنُ يَحْتَاجُ إِلَى نَوْمٍ وَرَاحَةٍ، وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمَرِيضُ إِلَى عِلَاجٍ. وَإِنَّمَا الْكَسَلُ أَنْ يَقْدِرَ الطَّالِبُ عَلَى الْعَمَلِ، ثُمَّ يَهْرُبَ مِنْهُ لِأَنَّ نَفْسَهُ تُؤْثِرُ الرَّاحَةَ السَّرِيعَةَ.
وَالتَّسْوِيفُ يُخَادِعُ صَاحِبَهُ بِكَلِمَةِ: سَأَفْعَلُ. يَقُولُهَا فِي الْمُرَاجَعَةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَتَرْتِيبِ الْمَكَانِ، حَتَّى يَضِيقَ الْوَقْتُ وَيُؤَدِّيَ الْعَمَلَ عَلَى عَجَلٍ، أَوْ يَتْرُكَهُ كُلَّهُ. وَمَا ضَاعَ مِنَ الْعُمْرِ لَا يَعُودُ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الْكَسَلِ غُمُوضُ الْهَدَفِ، وَكِبَرُ الْعَمَلِ فِي الْخَيَالِ، وَالْخَوْفُ مِنَ الْفَشَلِ، وَسُوءُ تَنْظِيمِ النَّوْمِ. وَقَدْ يَنْتَظِرُ الطَّالِبُ حُضُورَ النَّشَاطِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ، مَعَ أَنَّ النَّشَاطَ يَأْتِي كَثِيرًا بَعْدَ الْبِدَايَةِ.
قَالَ رَسُولُ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللّٰهِ، وَلَا تَعْجِزْ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَجَمَعَ بَيْنَ الْحِرْصِ وَالْعَمَلِ وَالِاسْتِعَانَةِ، وَنَهَى عَنِ الِاسْتِسْلَامِ لِلضَّعْفِ.
وَدَوَاءُ التَّسْوِيفِ أَنْ يُقَسِّمَ الطَّالِبُ الْعَمَلَ الْكَبِيرَ إِلَى خُطُوَاتٍ صَغِيرَةٍ، وَيُحَدِّدَ لِلْبِدَايَةِ وَقْتًا. فَيَقُولُ: سَأُرَاجِعُ عَشْرَ دَقَائِقَ الْآنَ، بَدَلَ أَنْ يَنْتَظِرَ سَاعَةً كَامِلَةً لَا تَأْتِي.
وَيَنْفَعُهُ أَنْ يُعِدَّ لَيْلًا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ صَبَاحًا، وَأَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاجِبٍ وَقْتًا قَصِيرًا مَعْلُومًا. وَإِذَا أَتَمَّ خُطْوَةً، أَتْبَعَهَا بِخُطْوَةٍ أُخْرَى، فَلَا يَنْتَظِرُ شُعُورًا خَاصًّا لِيَعْمَلَ.
وَعُلُوُّ الْهِمَّةِ لَا يَعْنِي كَثْرَةَ الْأَمَانِيِّ، وَلَا تَحْمِيلَ النَّفْسِ مَا لَا تُطِيقُ. هُوَ أَنْ يَعْرِفَ الطَّالِبُ غَايَتَهُ، وَيَصْبِرَ عَلَى طَرِيقِهَا، وَيَقُومَ بِعَمَلِ الْيَوْمِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، لِأَنَّ الْمُسْتَقْبَلَ يُبْنَى بِتَرَاكُمِ الْأَيَّامِ.
وَفِي الْمَعْهَدِ تُرَبَّى الْهِمَّةُ بِالْبِدَايَةِ فِي الْوَقْتِ، وَإِتْمَامِ الْوَاجِبِ قَبْلَ اللَّهْوِ، وَمُصَاحَبَةِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَكُلَّمَا صَبَرَ الطَّالِبُ عَلَى عَمَلٍ شَاقٍّ نَافِعٍ، اتَّسَعَتْ قُدْرَتُهُ، وَصَارَ أَهْيَأَ لِمَسْؤُولِيَّاتٍ أَكْبَرَ.