الْبَابُ ٢٤: الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ وَالتَّوَكُّلُ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلصَّبْرُ ثَبَاتُ الْقَلْبِ عَلَى الْحَقِّ، وَالشُّكْرُ مَعْرِفَةُ النِّعْمَةِ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الطَّاعَةِ، وَالتَّوَكُّلُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللّٰهِ مَعَ أَخْذِ الْأَسْبَابِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
يَحْتَاجُ الطَّالِبُ إِلَى الصَّبْرِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى يُتِمَّهَا، وَعَنِ الْمَعْصِيَةِ حِينَ تَدْعُوهُ نَفْسُهُ إِلَيْهَا، وَعَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ دَفْعَهُ. وَالصَّبْرُ عَمَلٌ فِي الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، لَا مُجَرَّدُ انْتِظَارٍ.
وَالشُّكْرُ يَبْدَأُ بِأَنْ يَعْرِفَ الْعَبْدُ أَنَّ النِّعْمَةَ مِنَ اللّٰهِ، ثُمَّ يَثْنِيَ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ، وَيَسْتَعْمِلَهَا فِي الْخَيْرِ. فَشُكْرُ الْعِلْمِ الْعَمَلُ بِهِ، وَشُكْرُ الصِّحَّةِ حِفْظُهَا، وَشُكْرُ الْوَقْتِ أَنْ لَا يُبَدَّدَ فِي الْغَفْلَةِ.
وَالتَّوَكُّلُ يُسَكِّنُ قَلَقَ الْقَلْبِ بَعْدَ بَذْلِ الْجُهْدِ. قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ١٥٩]. فَذَكَرَ الْعَزْمَ قَبْلَ التَّوَكُّلِ، لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ الثِّقَةَ بِاللّٰهِ لَا تُلْغِي الْعَمَلَ.
وَمَنْ تَرَكَ الْمُرَاجَعَةَ ثُمَّ قَالَ: تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّٰهِ، فَقَدْ تَرَكَ السَّبَبَ وَلَمْ يَفْهَمِ التَّوَكُّلَ. وَمَنْ اعْتَمَدَ عَلَى ذَكَائِهِ وَنَسِيَ رَبَّهُ، فَقَدْ أَخَذَ بِالسَّبَبِ وَفَقَدَ سَكِينَةَ الْقَلْبِ. وَالْكَمَالُ فِي جَمْعِهِمَا.
وَتَجْتَمِعُ هٰذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ الشِّدَّةِ: يَصْبِرُ الطَّالِبُ فَلَا يَتْرُكُ الْحَقَّ، وَيَشْكُرُ فَلَا يَنْسَى النِّعَمَ الْبَاقِيَةَ، وَيَتَوَكَّلُ فَلَا يَسْتَسْلِمُ لِلْخَوْفِ. ثُمَّ يَبْحَثُ عَنْ أَفْضَلِ عَمَلٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ.
وَلَا يَمْنَعُ الصَّبْرُ مِنَ الشَّكْوَى إِلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْمُسَاعَدَةِ، مَا دَامَ اللِّسَانُ مُؤَدَّبًا وَالْقَلْبُ مُسَلِّمًا لِحُكْمِ اللّٰهِ. فَطَلَبُ الْعَوْنِ سَبَبٌ مَشْرُوعٌ، وَلَيْسَ نَقْصًا فِي الصَّبْرِ.
وَفِي الْمَعْهَدِ قَدْ يَشُقُّ الدَّرْسُ، أَوْ يَمْرَضُ الطَّالِبُ، أَوْ يَشْتَاقُ إِلَى أَهْلِهِ، أَوْ لَا يَبْلُغُ النَّتِيجَةَ الَّتِي أَرَادَهَا. فَلَا يُهْمِلُ شُعُورَهُ، وَلٰكِنَّهُ يَطْلُبُ الْعَوْنَ، وَيُصْلِحُ سَبَبَ التَّقْصِيرِ، وَيَحْفَظُ صِلَتَهُ بِاللّٰهِ.
وَمَعَ الْأَيَّامِ يَصْنَعُ الصَّبْرُ نَفْسًا ثَابِتَةً، وَيَصْنَعُ الشُّكْرُ قَلْبًا مُبْصِرًا، وَيَصْنَعُ التَّوَكُّلُ رُوحًا مُطْمَئِنَّةً. وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهَا لَمْ تَكْسِرْهُ الصُّعُوبَةُ، وَلَمْ تُطْغِهِ النِّعْمَةُ، وَمَضَى فِي طَرِيقِهِ بِعَزْمٍ وَسَكِينَةٍ.