الْكِتَابُ الثَّالِثُ — مَدَارِجُ الْإِحْسَانِ وَنُضْجُ الطَّالِبِ
الْكِتَابُ الثَّالِثُ
مَدَارِجُ الْإِحْسَانِ وَنُضْجُ الطَّالِبِ
لِلصَّفِّ السَّادِسِ
الْمُقَدِّمَةُ
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ. اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، وَقُدْوَةِ السَّالِكِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَهٰذَا هُوَ الْكِتَابُ الثَّالِثُ مِنْ سِلْسِلَةِ التَّزْكِيَةِ وَمَدَارِجِ الْإِحْسَانِ. وَهُوَ مَوْضُوعٌ لِلطَّالِبِ الَّذِي تَعَلَّمَ أُصُولَ الْأَدَبِ، وَعَرَفَ شَيْئًا مِنْ أَمْرَاضِ النَّفْسِ وَالْقَلْبِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنْضَجَ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَخِدْمَتِهِ.
وَلَيْسَ الِارْتِقَاءُ فِي التَّزْكِيَةِ كَثْرَةَ الْكَلَامِ عَنِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ زِيَادَةٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَصِدْقٌ فِي الْإِخْلَاصِ، وَثَبَاتٌ عَلَى الشَّرِيعَةِ، وَرَحْمَةٌ بِالْخَلْقِ. فَكُلَّمَا ازْدَادَ الطَّالِبُ عِلْمًا، وَجَبَ أَنْ يَزْدَادَ تَوَاضُعًا وَحَذَرًا مِنْ دَعْوَى النَّفْسِ.
وَهٰذَا الْكِتَابُ يُبَيِّنُ لِلطَّالِبِ مَعْنَى الْإِحْسَانِ، وَيُعَرِّفُهُ بِالتَّصَوُّفِ السُّنِّيِّ الْمُنْضَبِطِ، وَيُرَبِّيهِ عَلَى دَقَائِقِ الْإِخْلَاصِ، وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، وَنَفْعِ الْخَلْقِ. وَغَايَتُهُ أَنْ يَخْرُجَ الطَّالِبُ مِنْ مَعْهَدِهِ وَهُوَ أَقْوَى صِلَةً بِرَبِّهِ، وَأَرْسَخُ قَدَمًا فِي دِينِهِ، وَأَوْسَعُ رَحْمَةً، وَأَحْسَنُ اسْتِعْدَادًا لِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنْ أَمَانَاتِ الْحَيَاةِ.