الْبَابُ ٢٥: الْإِحْسَانُ وَحُضُورُ الْقَلْبِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللّٰهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ؛ فَيَصْدُقُ قَلْبُكَ، وَيَحْسُنُ عَمَلُكَ، وَيَجْمُلُ خُلُقُكَ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
سَأَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ رَسُولَ اللّٰهِ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْإِحْسَانِ، فَقَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللّٰهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَالْإِحْسَانُ مَرْتَبَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ مَرَاتِبِ الدِّينِ، وَهُوَ يُكَمِّلُ إِسْلَامَ الْعَبْدِ وَإِيمَانَهُ.
وَمَعْنَى «كَأَنَّكَ تَرَاهُ» أَنْ يَعْبُدَ الْعَبْدُ رَبَّهُ بِقَلْبٍ مُمْتَلِئٍ بِالتَّعْظِيمِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْحَيَاءِ، لَا أَنْ يَتَخَيَّلَ لِلّٰهِ صُورَةً؛ فَاللّٰهُ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وَمَعْنَى «فَإِنَّهُ يَرَاكَ» أَنْ يَسْتَحْضِرَ الْعَبْدُ عِلْمَ اللّٰهِ بِهِ وَاطِّلَاعَهُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ.
وَيَبْدَأُ الْإِحْسَانُ مِنَ الْفَرَائِضِ؛ فَلَا يَطْلُبُ الطَّالِبُ لَذَّةَ الْقَلْبِ وَهُوَ يُضَيِّعُ الصَّلَاةَ، وَلَا يَدَّعِي صَفَاءَ الْبَاطِنِ وَهُوَ يَظْلِمُ النَّاسَ. فَصِحَّةُ الْعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ، وَجَمَالُهُ بِالْإِخْلَاصِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ.
وَيَظْهَرُ الْإِحْسَانُ فِي الْعِبَادَةِ وَالْمُعَامَلَةِ مَعًا. فَالطَّالِبُ الْمُحْسِنُ يُتْقِنُ صَلَاتَهُ، وَيَصْدُقُ فِي دَرْسِهِ، وَيَحْفَظُ حَقَّ صَاحِبِهِ، وَيُؤَدِّي عَمَلَهُ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ مُعَلِّمٌ أَوْ مُرَاقِبٌ. وَإِحْسَانُهُ فِي الْخَلْوَةِ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ فِي الْعَلَانِيَةِ.
وَحُضُورُ الْقَلْبِ لَا يَثْبُتُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ يَقْوَى بِالذِّكْرِ، وَتَرْكِ اللَّغْوِ، وَتَجْدِيدِ النِّيَّةِ، وَالصَّبْرِ عَلَى رَدِّ الْقَلْبِ إِذَا شَرَدَ. وَمَنْ صَبَرَ عَلَى هٰذِهِ الْمُجَاهَدَةِ قَوِيَ حُضُورُ قَلْبِهِ، وَرُجِيَ لَهُ أَنْ يَذُوقَ حَلَاوَةَ الْعِبَادَةِ.
وَثَمَرَةُ الْإِحْسَانِ أَنْ يَصِيرَ الطَّالِبُ أَثْبَتَ عِنْدَ الْمَشَقَّةِ، وَأَبْعَدَ عَنِ الْخِيَانَةِ، وَأَرْحَمَ بِالنَّاسِ. فَالَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ اللّٰهَ يَرَاهُ لَا يَنْتَظِرُ مَدْحَ الْخَلْقِ حَتَّى يَعْمَلَ، وَلَا يَتْرُكُ الْخَيْرَ إِذَا قَلَّ مَنْ يَرَاهُ.