الْبَابُ ٢٦: التَّصَوُّفُ السُّنِّيُّ: حَقِيقَتُهُ وَضَوَابِطُهُ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلتَّصَوُّفُ السُّنِّيُّ عِلْمٌ يُعْنَى بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَتَرْبِيَةٌ تُهَذِّبُ الْقَلْبَ وَالْعَمَلَ وَالْخُلُقَ، وَهُوَ مُنْضَبِطٌ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
وَمَقْصُودُ التَّصَوُّفِ الصَّحِيحِ دَاخِلٌ فِي مَعْنَى التَّزْكِيَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللّٰهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩-١٠]. فَهُوَ عِنَايَةٌ بِصَلَاحِ الْبَاطِنِ حَتَّى يَصْلُحَ الظَّاهِرُ، وَتَرْبِيَةٌ لِلنَّفْسِ حَتَّى تَقُومَ بِحَقِّ رَبِّهَا وَحُقُوقِ خَلْقِهِ.
وَيُمْكِنُ جَمْعُ أُصُولِ التَّرْبِيَةِ فِي هٰذَا الْكِتَابِ فِي أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: عَقِيدَةٌ صَحِيحَةٌ تُعَرِّفُ الْعَبْدَ بِرَبِّهِ، وَفِقْهٌ يُبَيِّنُ لَهُ كَيْفَ تَصِحُّ عِبَادَتُهُ، وَمُجَاهَدَةٌ تُهَذِّبُ نَفْسَهُ، وَأَدَبٌ يَظْهَرُ فِي مُعَامَلَتِهِ. فَإِذَا سَقَطَ وَاحِدٌ مِنْ هٰذِهِ الْأُصُولِ اخْتَلَّ السَّيْرُ.
وَالطَّرِيقُ الصَّحِيحُ لَا يُسْقِطُ فَرِيضَةً، وَلَا يُبِيحُ مُحَرَّمًا، وَلَا يَجْعَلُ كَلَامَ أَحَدٍ فَوْقَ كِتَابِ اللّٰهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ صَفَاءَ قَلْبِهِ يُغْنِيهِ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ عَنْ حُقُوقِ النَّاسِ فَقَدْ خَدَعَتْهُ نَفْسُهُ.
وَلَا يُقَاسُ صِدْقُ السَّالِكِ بِكَثْرَةِ الْحِكَايَاتِ الْغَرِيبَةِ، وَلَا بِمَا يَدَّعِيهِ مِنْ كَشْفٍ وَكَرَامَةٍ. وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِاسْتِقَامَتِهِ، وَصِدْقِهِ، وَتَوَاضُعِهِ، وَحِفْظِهِ لِلْحُدُودِ، وَرَحْمَتِهِ بِالضُّعَفَاءِ.
وَيَحْتَاجُ الطَّالِبُ فِي سُلُوكِهِ إِلَى الْعِلْمِ قَبْلَ الْعَمَلِ، وَإِلَى الصَّبْرِ أَثْنَاءَ الْعَمَلِ، وَإِلَى الِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الْعَمَلِ. وَيَحْتَاجُ أَيْضًا إِلَى مُعَلِّمٍ نَاصِحٍ، وَصُحْبَةٍ صَالِحَةٍ، وَمُرَاجَعَةٍ دَائِمَةٍ لِنِيَّتِهِ.
وَعَلَامَةُ صِحَّةِ التَّصَوُّفِ أَنْ يَزْدَادَ بِهِ الطَّالِبُ عُبُودِيَّةً، وَعِلْمًا، وَعَمَلًا، وَتَوَاضُعًا، وَنَفْعًا لِلنَّاسِ. فَإِذَا زَادَتْهُ التَّرْبِيَةُ كِبْرًا، أَوْ عُزْلَةً عَنْ وَاجِبَاتِهِ، أَوِ احْتِقَارًا لِغَيْرِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَحِّحَ طَرِيقَهُ.