الْبَابُ ٢٨: دَقَائِقُ الْإِخْلَاصِ وَالصِّدْقُ مَعَ اللّٰهِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلْإِخْلَاصُ تَصْفِيَةُ الْقَصْدِ لِلّٰهِ، وَالصِّدْقُ أَنْ يُوَافِقَ ظَاهِرُ الطَّالِبِ بَاطِنَهُ، فَلَا يُظْهِرَ لِلنَّاسِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ، وَلَا يَدَّعِيَ مَا لَيْسَ فِيهِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الْبَيِّنَةِ: ٥]. فَالْإِخْلَاصُ مِنْ أَعْظَمِ شُرُوطِ قَبُولِ الْعَمَلِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ الْأَوَّلُ مِنَ الطَّاعَةِ ابْتِغَاءَ رِضَا اللّٰهِ، لَا مَدْحَ النَّاسِ وَلَا مَنْزِلَةً فِي قُلُوبِهِمْ.
وَفِي بَدَايَةِ الطَّرِيقِ يَتْرُكُ الطَّالِبُ الرِّيَاءَ الظَّاهِرَ، ثُمَّ يَتَعَلَّمُ فِي نُضْجِهِ أَنْ يُرَاقِبَ دَقَائِقَ حُظُوظِ النَّفْسِ. فَقَدْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ فَرَحًا بِثَنَاءِ النَّاسِ، أَوْ حُزْنًا لِإِهْمَالِهِمْ، وَمُجَرَّدُ وُرُودِ هٰذَا الشُّعُورِ لَا يُبْطِلُ عَمَلَهُ؛ وَإِنَّمَا الْخَطَرُ أَنْ يَسْتَرْسِلَ مَعَهُ وَيَجْعَلَ نَظَرَ النَّاسِ غَايَتَهُ.
وَلَا يَعْنِي الْإِخْلَاصُ أَنْ يَخْفِيَ الطَّالِبُ كُلَّ عَمَلٍ؛ فَقَدْ يُعَلِّمُ غَيْرَهُ، أَوْ يُشَجِّعُهُ بِقُدْوَةٍ حَسَنَةٍ، أَوْ يُؤَدِّي وَاجِبًا يَعْرِفُهُ النَّاسُ. وَإِنَّمَا الْمِيزَانُ أَنْ لَا يَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِثَنَاءِ الْخَلْقِ، وَأَنْ يُحْسِنَ عَمَلَهُ عِنْدَ حُضُورِهِمْ وَغِيَابِهِمْ مَا دَامَ قَصْدُهُ ابْتِغَاءَ رِضَا رَبِّهِ.
وَالصِّدْقُ مَعَ اللّٰهِ يَمْنَعُ الطَّالِبَ مِنْ تَحْسِينِ صُورَتِهِ أَمَامَ النَّاسِ مَعَ إِهْمَالِ بَاطِنِهِ. فَلَا يَدَّعِي خُشُوعًا لَا يَجِدُهُ، وَلَا يَتَكَلَّمُ عَنِ الزُّهْدِ وَقَلْبُهُ شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِالْمَدْحِ، وَلَا يَعِظُ غَيْرَهُ وَيَنْسَى نَفْسَهُ. وَإِذَا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ ضَعْفًا، اعْتَرَفَ بِهِ وَسَعَى فِي إِصْلَاحِهِ مِنْ غَيْرِ يَأْسٍ وَلَا تَصَنُّعٍ.
وَمِنْ عَلَامَاتِ الْإِخْلَاصِ أَنْ يَثْبُتَ الطَّالِبُ عَلَى الْخَيْرِ حِينَ يَغِيبُ عَنْهُ نَظَرُ النَّاسِ، وَأَنْ يَقْبَلَ الْحَقَّ وَلَوْ جَاءَ عَلَى خِلَافِ رَغْبَتِهِ، وَأَنْ يَفْرَحَ بِجَرَيَانِ الْخَيْرِ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ كَمَا يَفْرَحُ بِجَرَيَانِهِ عَلَى يَدِهِ.
وَيُحْرَسُ الْإِخْلَاصُ بِعَمَلٍ خَفِيٍّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَبِتَجْدِيدِ النِّيَّةِ، وَبِالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الطَّاعَةِ، وَبِنِسْبَةِ الْفَضْلِ إِلَى اللّٰهِ، وَبِسُؤَالِ الْقَبُولِ مِنَ اللّٰهِ. فَمَنْ رَأَى التَّوْفِيقَ مِنْ رَبِّهِ لَمْ يَعْجَبْ بِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِلَ لِلّٰهِ لَمْ يَتَوَقَّفْ خَيْرُهُ عَلَى ثَنَاءِ النَّاسِ وَمَدْحِهِمْ.