الْبَابُ ٢٩: الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَالْمَحَبَّةُ
أَصْلُ الْبَابِ
يَسِيرُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ إِلَى اللّٰهِ بِخَوْفٍ يَحْجُزُهُ عَنِ الذَّنْبِ، وَرَجَاءٍ يَمْنَعُهُ مِنَ الْقُنُوطِ، وَمَحَبَّةٍ تَحْمِلُهُ عَلَى حُسْنِ الطَّاعَةِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
أَثْنَى اللّٰهُ تَعَالَى عَلَى أَنْبِيَائِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: ٩٠]. فَجَمَعُوا بَيْنَ الرَّغْبَةِ فِي فَضْلِ اللّٰهِ، وَالرَّهْبَةِ مِنْ سَخَطِهِ وَعِقَابِهِ بِسَبَبِ التَّقْصِيرِ، وَالْخُشُوعِ لَهُ.
وَالْخَوْفُ الْمَحْمُودُ هُوَ الَّذِي يُوقِظُ الْقَلْبَ وَيَدْفَعُهُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ. فَإِذَا حَمَلَ الْخَوْفُ صَاحِبَهُ عَلَى الْيَأْسِ وَتَرْكِ الطَّاعَةِ، تَحَوَّلَ إِلَى خَوْفٍ مَذْمُومٍ يَقُودُ إِلَى الْقُنُوطِ.
وَالرَّجَاءُ الْمَحْمُودُ هُوَ حُسْنُ الظَّنِّ بِاللّٰهِ مَعَ بَذْلِ الْجُهْدِ فِي طَاعَتِهِ. وَأَمَّا مَنْ يُصِرُّ عَلَى التَّقْصِيرِ ثُمَّ يَتَمَنَّى النَّجَاةَ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ، فَلَيْسَ هٰذَا رَجَاءً، وَإِنَّمَا هُوَ غُرُورٌ وَأَمَانِيُّ.
وَقَالَ اللّٰهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلّٰهِ﴾ [الْبَقَرَةِ: ١٦٥]. فَالْمَحَبَّةُ أَعْظَمُ مَا يُحَرِّكُ الْقَلْبَ إِلَى رَبِّهِ. فَمَنْ أَحَبَّ اللّٰهَ أَحَبَّ طَاعَتَهُ، وَأَحَبَّ كَلَامَهُ، وَأَحَبَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَحَبَّ مَا يُقَرِّبُهُ إِلَى رِضَاهُ. وَقَدْ تَشُقُّ عَلَيْهِ الطَّاعَةُ، وَلٰكِنَّ الْمَحَبَّةَ تُهَوِّنُ مَشَقَّتَهَا وَلَا تَجْعَلُهَا دَائِمًا خَالِيَةً مِنَ التَّعَبِ.
وَيَحْتَاجُ الطَّالِبُ إِلَى هٰذِهِ الْمَعَانِي فِي أَيَّامِهِ كُلِّهَا. فَإِذَا قَوِيَ وَنَجَحَ خَافَ مِنَ الْعُجْبِ، وَإِذَا ضَعُفَ أَوْ أَخْفَقَ رَجَا فَضْلَ رَبِّهِ، وَفِي الْحَالَيْنِ بَقِيَ مُحِبًّا لِلْخَيْرِ ثَابِتًا عَلَيْهِ.
وَكَمَالُ السَّيْرِ أَنْ تَتَعَاوَنَ هٰذِهِ الْمَعَانِي وَلَا يَهْدِمَ بَعْضُهَا بَعْضًا. فَالْخَوْفُ يَحْرُسُ، وَالرَّجَاءُ يَقُودُ، وَالْمَحَبَّةُ تَمْنَحُ الْقَلْبَ قُوَّةَ الِاسْتِمْرَارِ.