الْبَابُ ٣٠: الرِّضَا وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللّٰهِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلرِّضَا طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ إِلَى حِكْمَةِ اللّٰهِ مَعَ بَذْلِ الْوُسْعِ وَالْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ رَجَاءُ رَحْمَتِهِ وَالثِّقَةُ بِوَعْدِهِ مَعَ الْخَوْفِ مِنْ عَاقِبَةِ التَّقْصِيرِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَالْمُؤْمِنُ يَعْرِفُ أَنَّ رَبَّهُ رَحِيمٌ حَكِيمٌ، وَأَنَّ اللّٰهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ فِي الدُّنْيَا كُلُّ مَا طَلَبَهُ.
وَالرِّضَا لَا يَعْنِي تَرْكَ السَّعْيِ؛ فَالْمَرِيضُ يَتَدَاوَى، وَالْجَاهِلُ يَتَعَلَّمُ، وَالْمُخْطِئُ يُصْلِحُ خَطَأَهُ، وَالْمَظْلُومُ يَطْلُبُ حَقَّهُ بِالطُّرُقِ الْمَشْرُوعَةِ. وَإِنَّمَا الرِّضَا أَنْ يَفْعَلَ الْعَبْدُ مَا عَلَيْهِ، ثُمَّ يُسَلِّمَ النَّتِيجَةَ لِلّٰهِ، فَلَا يَتَّهِمُ رَبَّهُ وَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى حِكْمَتِهِ.
وَلَا يَعْنِي الرِّضَا بِقَضَاءِ اللّٰهِ الرِّضَا بِالْمَعْصِيَةِ وَالظُّلْمِ؛ فَالْمَعْصِيَةُ تُنْكَرُ، وَالظُّلْمُ يُدْفَعُ بِالطُّرُقِ الْمَشْرُوعَةِ بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ. وَإِنَّمَا يَرْضَى الْعَبْدُ بِرَبِّهِ وَحِكْمَتِهِ، وَيَعْمَلُ بِمَا أَمَرَهُ فِي الْحَالِ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِ.
وَلَا يُنَافِي الرِّضَا أَنْ يَحْزَنَ الْعَبْدُ لِفَقْدٍ، أَوْ يَتَأَلَّمَ لِمُصِيبَةٍ، أَوْ يَطْلُبَ زَوَالَ الضُّرِّ؛ فَالْحُزْنُ وَالْأَلَمُ مِنْ طَبْعِ الْإِنْسَانِ. وَإِنَّمَا الَّذِي يُنَافِيهِ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْأَلَمُ إِلَى سُوءِ ظَنٍّ بِاللّٰهِ، أَوْ تَرْكٍ لِلْوَاجِبِ، أَوْ اعْتِرَاضٍ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللّٰهِ يَهْدِي الْعَبْدَ فِي كُلِّ حَالٍ إِلَى عُبُودِيَّةٍ تُنَاسِبُهُ: فَالنِّعْمَةُ تَسْتَدْعِي الشُّكْرَ، وَالْمَشَقَّةُ تَسْتَدْعِي الصَّبْرَ، وَالْوُقُوعُ فِي الذَّنْبِ يَسْتَدْعِي التَّوْبَةَ وَالْإِصْلَاحَ، وَتَأَخُّرُ الْمَطْلُوبِ يَدْعُو إِلَى مُرَاجَعَةِ الْأَسْبَابِ وَدَوَامِ الدُّعَاءِ.
وَقَدْ يَخْتَارُ اللّٰهُ لِعَبْدِهِ طَرِيقًا لَمْ يَخْتَرْهُ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا. فَالطَّالِبُ الْعَاقِلُ لَا يَحْكُمُ عَلَى مُسْتَقْبَلِهِ مِنْ صُعُوبَةِ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجْعَلُ تَأَخُّرَ الثَّمَرَةِ دَلِيلًا عَلَى ضَيَاعِ الزَّرْعِ.
وَمِنْ ثَمَرَاتِ الرِّضَا أَنْ يَبْقَى الْقَلْبُ قَادِرًا عَلَى الْعَمَلِ عِنْدَ تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ. فَهُوَ لَا يَنْكَسِرُ لِفَوَاتِ فُرْصَةٍ، وَلَا يَغْتَرُّ بِحُصُولِهَا، بَلْ يَسْأَلُ رَبَّهُ الْخَيْرَ، وَيَمْضِي فِي وَاجِبِهِ بِقَلْبٍ مُطْمَئِنٍّ وَهِمَّةٍ مُتَجَدِّدَةٍ.