الْبَابُ ٣١: الزُّهْدُ وَالْوَرَعُ وَحُرِّيَّةُ الْقَلْبِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلزُّهْدُ أَنْ لَا تَسْتَعْبِدَ الدُّنْيَا قَلْبَ الطَّالِبِ وَإِنْ كَانَتْ فِي يَدِهِ، وَالْوَرَعُ أَنْ يَتْرُكَ مَا يَخْشَى ضَرَرَهُ فِي دِينِهِ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الْحَدِيدِ: ٢٣]. وَلَيْسَ كُلُّ فَرَحٍ بِالنِّعْمَةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، وَإِنَّمَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الْفَرَحُ الَّذِي يَحْمِلُ عَلَى الْبَطَرِ وَالْكِبْرِ. فَحُرِّيَّةُ الْقَلْبِ أَنْ لَا يَسْتَعْبِدَهُ الْحُزْنُ عَلَى مَا فَاتَ، وَلَا يَحْمِلَهُ الْفَرَحُ بِمَا حَصَلَ عَلَى الطُّغْيَانِ، بَلْ يَبْقَى شَاكِرًا لِرَبِّ النِّعْمَةِ.
وَالزُّهْدُ لَا يَقُومُ عَلَى تَحْرِيمِ الطَّيِّبَاتِ، وَلَا عَلَى تَرْكِ التَّعَلُّمِ وَالْعَمَلِ وَعِمَارَةِ الْأَرْضِ. فَقَدْ يَلْبَسُ الْمُؤْمِنُ ثَوْبًا نَظِيفًا، وَيَأْكُلُ طَعَامًا طَيِّبًا، وَيَطْلُبُ رِزْقًا وَاسِعًا، وَقَلْبُهُ زَاهِدٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ النِّعْمَةَ وَلَا يَعْبُدُهَا.
وَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ قَلِيلَ الْمَالِ وَهُوَ شَدِيدُ التَّعَلُّقِ بِالدُّنْيَا، يَحْسُدُ النَّاسَ وَيَتَذَلَّلُ لِمَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَقَدْ يَمْلِكُ آخَرُ مَالًا وَعِلْمًا وَمَنْصِبًا، ثُمَّ يَسْتَعْمِلُ ذٰلِكَ كُلَّهُ فِي الْخَيْرِ وَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ فَضْلًا. فَالْمِيزَانُ هُوَ حَالُ الْقَلْبِ وَوَجْهُ الِاسْتِعْمَالِ.
وَالْوَرَعُ يَبْدَأُ بِتَرْكِ الْحَرَامِ، ثُمَّ بِالْحَذَرِ مِنَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يُخْشَى أَنْ تَجُرَّ إِلَيْهِ. وَهُوَ لَا يَقُومُ عَلَى الْوَسْوَسَةِ وَتَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللّٰهُ، بَلْ يَقُومُ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ وَسُؤَالِ أَهْلِ الْفِقْهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ.
وَمِنْ وَرَعِ الطَّالِبِ أَنْ يَحْفَظَ مَالَ غَيْرِهِ، وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِي دِينِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَأَنْ لَا يَنْسِبَ إِلَى نَفْسِهِ عَمَلًا لَمْ يَقُمْ بِهِ. وَمِنْ زُهْدِهِ أَنْ لَا يُقَدِّمَ رَاحَةً عَاجِلَةً أَوْ مَنْزِلَةً زَائِلَةً عَلَى مَا عَلِمَهُ مِنَ الْحَقِّ.
وَإِذَا تَحَرَّرَ الْقَلْبُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْمَظَاهِرِ، صَارَ الطَّالِبُ أَقْدَرَ عَلَى الِاخْتِيَارِ الصَّحِيحِ. فَلَا يَتْرُكُ طَرِيقًا نَافِعًا لِأَنَّ بَدَايَتَهُ مُتْعِبَةٌ، وَلَا يَنْخَدِعُ بِطَرِيقٍ سَهْلٍ إِذَا كَانَتْ عَاقِبَتُهُ ضَعْفًا وَنَدَامَةً.