الْبَابُ ٣٤: الْعِلْمُ النَّافِعُ وَخَطَرُ الدَّعْوَى
أَصْلُ الْبَابِ
اَلْعِلْمُ النَّافِعُ يُورِثُ خَشْيَةً وَعَمَلًا وَتَوَاضُعًا، وَالدَّعْوَى أَنْ يَرْفَعَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ فَوْقَ قَدْرِهَا بِعِلْمٍ لَمْ يُحْكِمْهُ أَوْ صَلَاحٍ لَمْ يَبْلُغْهُ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فَاطِرٍ: ٢٨]. فَعَلَامَةُ الْعِلْمِ النَّافِعِ أَنْ يَعْرِفَ الْعَبْدُ عَظَمَةَ رَبِّهِ وَضَعْفَ نَفْسِهِ، فَيَزْدَادَ طَاعَةً وَحَذَرًا مِنَ الذَّنْبِ، لَا كِبْرًا وَمُبَاهَاةً.
وَقَدْ يَحْفَظُ الطَّالِبُ كَلَامًا كَثِيرًا، وَيُحْسِنُ الْجَوَابَ وَالْخِطَابَ، ثُمَّ لَا يَصْبِرُ عَلَى نَصِيحَةٍ، وَلَا يَرْحَمُ مَنْ دُونَهُ فِي الْعِلْمِ. فَهٰذَا عِلْمٌ لَمْ تَظْهَرْ بَرَكَتُهُ بَعْدُ، وَصَاحِبُهُ أَحْوَجُ إِلَى الْعَمَلِ مِنْهُ إِلَى زِيَادَةِ الْكَلَامِ.
وَمِنْ بَرَكَةِ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ الطَّالِبُ: «لَا أَدْرِي» فِيمَا لَا يَعْلَمُ، وَأَنْ يَرْجِعَ عَنْ خَطَئِهِ إِذَا ظَهَرَ لَهُ الصَّوَابُ. فَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ قُوَّةٌ فِي الْعِلْمِ، وَلَيْسَ نَقْصًا فِي قَدْرِ صَاحِبِهِ.
وَالدَّعْوَى أَنْ يَمْدَحَ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ، أَوْ يَدَّعِيَ مَقَامًا فِي الصَّلَاحِ، أَوْ يَتَكَلَّمَ كَأَنَّهُ بَلَغَ نِهَايَةَ الْفَهْمِ. وَهِيَ خَطِرَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَمْنَعُهُ مِنْ رُؤْيَةِ عَيْبِهِ، وَتَجْعَلُهُ أَحْرَصَ عَلَى صُورَتِهِ أَمَامَ النَّاسِ مِنْهُ عَلَى إِصْلَاحِ نَفْسِهِ.
وَمِنْ أَدَبِ الْعِلْمِ أَنْ يَنْسُبَ الطَّالِبُ الْقَوْلَ إِلَى قَائِلِهِ، وَأَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيمَا لَا يُحْسِنُ، وَأَنْ يَتَثَبَّتَ قَبْلَ النَّقْلِ، وَأَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ. وَمِنْ دَوَاءِ الدَّعْوَى أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْعَمَلِ عَنْ وَصْفِ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَقْبَلَ النَّقْدَ، وَأَنْ يَذْكُرَ فَضْلَ اللّٰهِ عَلَيْهِ.
وَالطَّالِبُ النَّاضِجُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى انْتِقَاصِ غَيْرِهِ حَتَّى يَظْهَرَ فَضْلُهُ، وَلَا إِلَى ذِكْرِ مَزَايَاهُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ، بَلْ يَدَعُ عَمَلَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مَنٍّ وَلَا ادِّعَاءٍ، وَيَسْأَلُ اللّٰهَ الْقَبُولَ. وَكُلَّمَا اتَّسَعَ عِلْمُهُ، عَلِمَ أَنَّ أَمَامَهُ مَيَادِينَ لَا تَنْتَهِي مِنَ التَّعَلُّمِ وَالْعَمَلِ.