الْبَابُ ٣٦: الثَّبَاتُ بَعْدَ التَّخَرُّجِ وَحَمْلُ الْأَمَانَةِ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلطَّالِبُ الْمُحْسِنُ يَخْرُجُ مِنْ مَعْهَدِهِ ثَابِتًا عَلَى دِينِهِ، آخِذًا بِالْأَسْبَابِ، مُسْتَعِينًا بِاللّٰهِ، حَامِلًا مَا تَعَلَّمَهُ إِلَى حَيْثُ يَحِلُّ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللّٰهِ، وَلَا تَعْجَزْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ طَلَبِ النَّافِعِ، وَبَذْلِ الْجُهْدِ، وَالِاسْتِعَانَةِ بِاللّٰهِ. وَأَعْظَمُ مَا يَسْتَعِدُّ لَهُ الْمُؤْمِنُ لِقَاءُ اللّٰهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ لِدُنْيَاهُ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يُعِينُهُ عَلَى طَاعَتِهِ وَعِمَارَةِ الْأَرْضِ.
وَالطَّالِبُ الْمُحْسِنُ لَا يَجْعَلُ مَا بَعْدَ التَّخَرُّجِ مَصْدَرًا لِلْهَلَعِ، وَلَا يَتْرُكُهُ لِلْأَمَانِيِّ. يَعْرِفُ وَاجِبَاتِهِ وَمَوَاهِبَهُ، وَيُعَالِجُ جَوَانِبَ نَقْصِهِ، وَيَتَعَلَّمُ مَا يَنْفَعُهُ، وَيَسْتَشِيرُ أَهْلَ الْخِبْرَةِ، ثُمَّ يَمْضِي فِي طَرِيقِهِ مُسْتَعِينًا بِرَبِّهِ. فَحُسْنُ التَّخْطِيطِ سَبَبٌ، وَلَيْسَ ضَامِنًا لِلنَّتِيجَةِ، وَالتَّوْفِيقُ بِيَدِ اللّٰهِ.
وَقَدْ يَفَارِقُ الطَّالِبُ بَعْدَ تَخَرُّجِهِ نِظَامًا يُذَكِّرُهُ، وَمُعَلِّمًا يُرَاقِبُهُ، وَإِخْوَانًا يُعِينُونَهُ. وَهُنَا يَظْهَرُ ثَبَاتُهُ: فَيُحَافِظُ عَلَى صَلَاتِهِ، وَوِرْدِهِ، وَصُحْبَتِهِ الصَّالِحَةِ، وَمُحَاسَبَةِ نَفْسِهِ، وَيَذْكُرُ أَنَّ اللّٰهَ يَرَاهُ حَيْثُمَا كَانَ.
وَلَا يَزِنُ الطَّالِبُ قِيمَةَ طَرِيقِهِ بِكَثْرَةِ الْإِمْكَانَاتِ وَحْدَهَا؛ فَكَمْ مِنْ عَمَلٍ قَلِيلِ الْوَسَائِلِ كَثِيرِ النَّفْعِ بِصِدْقِ أَهْلِهِ وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ. وَمَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي أَوَّلِ عَمَلٍ نَافِعٍ لَمْ يَحْتَقِرِ الْبِدَايَةَ، بَلْ أَتْقَنَ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَعَلَّمَ مِنْ خَطَئِهِ، وَتَرَكَ لِمَنْ بَعْدَهُ أَثَرًا حَسَنًا.
وَلَا يَعْنِي الثَّبَاتُ الْجُمُودَ وَالْخَوْفَ مِنْ كُلِّ جَدِيدٍ، بَلْ يَعْنِي ثَبَاتَ الْأُصُولِ مَعَ حُسْنِ الِانْتِفَاعِ بِالْوَسَائِلِ النَّافِعَةِ. فَقَدْ تَتَغَيَّرُ الْمَرْحَلَةُ وَالْمَكَانُ وَالْعَمَلُ، وَلٰكِنَّ الطَّالِبَ يَبْقَى صَادِقًا، مُصَلِّيًا، مُتَعَلِّمًا، نَافِعًا، حَافِظًا لِحُقُوقِ النَّاسِ، وَيَزِنُ مَا يَسْتَجِدُّ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ وَالْعِلْمِ وَالْخِبْرَةِ.
وَحَمْلُ الْأَمَانَةِ أَنْ لَا يُضَيِّعَ الطَّالِبُ مَا تَعَلَّمَهُ، بَلْ يَعْمَلَ بِهِ، وَيُعَلِّمَ مِنْهُ مَا يُحْسِنُ، وَيَصْدُقَ فِي دِرَاسَتِهِ وَعَمَلِهِ، وَيَنْفَعَ أَهْلَهُ وَمُجْتَمَعَهُ، وَيَرْجِعَ إِلَى أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا لَا يَعْلَمُ. فَالتَّخَرُّجُ انْتِقَالٌ مِنْ مَرْحَلَةٍ إِلَى مَرْحَلَةٍ، وَلَيْسَ نِهَايَةَ التَّعَلُّمِ وَالتَّرْبِيَةِ.
وَإِذَا اجْتَمَعَ فِي الطَّالِبِ صِدْقُ الْإِيمَانِ، وَصِحَّةُ الْعِلْمِ، وَدَوَامُ الْعَمَلِ، وَجَمَالُ الْخُلُقِ، انْتَقَلَ إِلَى مَرْحَلَتِهِ الْجَدِيدَةِ وَهُوَ حَامِلٌ لِثَمَرَةِ تَرْبِيَتِهِ، يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَبْنِي، وَيَخْدُمُ، وَيَتَعَلَّمُ مَا دَامَ حَيًّا.
دُعَاءٌ
اَللّٰهُمَّ ارْزُقْنَا إِحْسَانًا فِي عِبَادَتِنَا، وَإِخْلَاصًا فِي نِيَّاتِنَا، وَصِدْقًا فِي أَقْوَالِنَا وَأَعْمَالِنَا. اَللّٰهُمَّ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَانْفَعْ بِنَا عِبَادَكَ، وَاجْعَلْ مَا تَعَلَّمْنَاهُ نُورًا يَهْدِينَا فِي حَيَاتِنَا، وَذُخْرًا لَنَا عِنْدَ لِقَائِكَ. وَصَلَّى اللّٰهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.