الْبَابُ ١: نِيَّةُ الطَّالِبِ وَشَرَفُ طَلَبِ الْعِلْمِ
أَصْلُ الْبَابِ
نِيَّةُ الطَّالِبِ رُوحُ عِلْمِهِ، وَشَرَفُ الطَّلَبِ أَنْ يَبْذُلَ جُهْدَهُ لِرِضَا اللّٰهِ، وَإِصْلَاحِ نَفْسِهِ، وَنَفْعِ عِبَادِهِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
اَلنِّيَّةُ عَمَلٌ فِي الْقَلْبِ، وَهِيَ الَّتِي تُبَيِّنُ لِمَاذَا يَدْرُسُ الطَّالِبُ وَيَحْفَظُ وَيَتَعَبُ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّٰهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
يَنْوِي الطَّالِبُ أَنْ يَعْرِفَ دِينَهُ، وَيَعْبُدَ رَبَّهُ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَيُهَذِّبَ أَخْلَاقَهُ، وَيَنْفَعَ أَهْلَهُ وَمُجْتَمَعَهُ. فَتَصِيرُ دِرَاسَتُهُ قُرْبَةً، وَيَكُونُ تَعَبُهُ مَأْجُورًا عِنْدَ اللّٰهِ.
وَطَلَبُ الْعِلْمِ شَرَفٌ؛ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ الْإِنْسَانَ مِنَ الْجَهْلِ، وَيَدُلُّهُ عَلَى الْحَقِّ، وَيُعِدُّهُ لِيَكُونَ نَافِعًا فِي حَيَاتِهِ. وَيَفْرَحُ الطَّالِبُ بِنَجَاحِهِ، وَيَرْجُو مُسْتَقْبَلًا طَيِّبًا، وَيَسْتَعْمِلُ مَا يَنَالُهُ مِنْ خَيْرٍ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ وَنَفْعِ خَلْقِهِ.
وَيَظْهَرُ صِدْقُ الطَّلَبِ فِي حُضُورِ الدَّرْسِ، وَحِفْظِ الْوَقْتِ، وَمُرَاجَعَةِ الْعِلْمِ، وَقَبُولِ التَّصْحِيحِ. وَمِنْ عَلَامَاتِهِ أَلَّا يَغُشَّ فِي الِاخْتِبَارِ، وَلَا يَدَّعِيَ فَهْمَ مَا لَمْ يَفْهَمْهُ.
وَقَدْ تَضْعُفُ النِّيَّةُ، أَوْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا حُبُّ الْمَدْحِ وَالظُّهُورِ. فَإِذَا شَعَرَ الطَّالِبُ بِذٰلِكَ، جَدَّدَ قَصْدَهُ، وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَمَضَى فِي تَعَلُّمِهِ وَعَمَلِهِ.
وَيَسْتَحْضِرُ نِيَّتَهُ قَبْلَ الدَّرْسِ، ثُمَّ يُرَاجِعُ بَعْدَهُ مَا فَهِمَهُ، وَيَخْتَارُ خُلُقًا يَعْمَلُ بِهِ. فَالْعِلْمُ الصَّادِقُ يَبْقَى فِي الْعَقْلِ، وَيَحْيَا فِي الْقَلْبِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الْعَمَلِ.
وَيَعْرِفُ الطَّالِبُ أَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ لَا يُنَالُ بِكَثْرَةِ الْمَحْفُوظِ وَحْدَهَا، وَإِنَّمَا يَكْمُلُ بِفَهْمٍ صَحِيحٍ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَتَوَاضُعٍ يَزْدَادُ مَعَ كُلِّ مَا يَتَعَلَّمُهُ.