الْبَابُ ٢: الْأَدَبُ مَعَ اللّٰهِ وَمُرَاقَبَتُهُ
أَصْلُ الْبَابِ
اَلْأَدَبُ مَعَ اللّٰهِ أَنْ يُعَظِّمَهُ الطَّالِبُ، وَيَشْكُرَ نِعَمَهُ، وَيُطِيعَ أَمْرَهُ، وَيَسْتَحْضِرَ أَنَّ اللّٰهَ يَرَاهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ.
بَيَانُ الْمَعْنَى
اَللّٰهُ تَعَالَى خَالِقُ الْعَبْدِ وَرَازِقُهُ وَهَادِيهِ، وَمَا بِالْإِنْسَانِ مِنْ حَيَاةٍ وَصِحَّةٍ وَعَقْلٍ وَعِلْمٍ فَمِنْ فَضْلِهِ. فَمَعْرِفَةُ هٰذِهِ النِّعَمِ تَمْلَأُ الْقَلْبَ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا.
قَالَ اللّٰهُ تَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. فَالطَّالِبُ يَذْكُرُ رَبَّهُ بِلِسَانِهِ، وَيَسْتَحْضِرُ فَضْلَهُ بِقَلْبِهِ، وَيَشْكُرُهُ بِحُسْنِ اسْتِعْمَالِ نِعَمِهِ.
وَشُكْرُ نِعْمَةِ الْعِلْمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعَلُّمِهِ، وَيَعْمَلَ بِمَا عَلِمَ، وَيُعَلِّمَ الْخَيْرَ عِنْدَمَا يَقْدِرُ. وَشُكْرُ نِعْمَةِ الْوَقْتِ أَنْ يَحْفَظَهَا مِنَ الْكَسَلِ وَاللَّغْوِ.
وَالْمُرَاقَبَةُ أَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ أَنَّ اللّٰهَ يَرَاهُ، وَيَعْلَمُ عَمَلَهُ وَكَلَامَهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ. فَيُطِيعُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَعْصِيَهُ إِذَا خَلَا بِنَفْسِهِ.
وَإِذَا نَزَلَ بِهِ مَا يَكْرَهُ، صَبَرَ وَدَعَا وَأَخَذَ بِالْأَسْبَابِ الْمُبَاحَةِ، وَعَلِمَ أَنَّ لِلّٰهِ حِكْمَةً فِي تَدْبِيرِهِ. فَلَا يَحْمِلُهُ الْحُزْنُ عَلَى سُوءِ الْقَوْلِ أَوْ تَرْكِ الْوَاجِبِ.
وَيَدْعُو الطَّالِبُ رَبَّهُ بِتَوَاضُعٍ وَرَجَاءٍ، وَيَسْأَلُهُ الْهِدَايَةَ وَالثَّبَاتَ وَالْعِلْمَ النَّافِعَ. وَإِذَا زَلَّ، رَجَعَ سَرِيعًا بِالتَّوْبَةِ، فَبَابُ رَبِّهِ مَفْتُوحٌ، وَرَحْمَتُهُ وَاسِعَةٌ.
وَالْمُرَاقَبَةُ الصَّحِيحَةُ لَا تَمْلَأُ الْقَلْبَ رُعْبًا وَقَلَقًا، وَإِنَّمَا تَمْلَؤُهُ حَيَاءً وَأُنْسًا؛ لِأَنَّ الطَّالِبَ يَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ يَرَاهُ، وَيَرْحَمُهُ، وَيُعِينُهُ عَلَى الْخَيْرِ، وَيَلْطُفُ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَيَفْتَحُ لَهُ بَابَ الرَّجَاءِ.